الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

'رمضان كريم' مسلسل نجح في عرض تناقضات الحارة المصرية

  • لا تزال صورة الحارة المصرية في الدراما مرتبطة باسم الأديب العالمي الراحل نجيب محفوظ، الذي حرص في رواياته على إظهار حالة الترابط الاجتماعي بين شخوصها، كما دمج في تفاصيلها الكثير من الأحداث السياسية التي أرّخت لحقبة زمنية معينة، ورغم الفارق الزمني والفكري بين الأديب الراحل والسيناريست أحمد عبدالله، إلاّ أن الأخير ظل طوال السنوات الأخيرة محافظا على تقديم صورة الحارة المصرية التي كادت تختفي من الأعمال الدرامية.

العرب سارة محمد [نُشر في 2017/08/24، العدد: 10732، ص(16)]

'مسحراتي' عتيق بأخلاق عالية

القاهرة – في مسلسل “رمضان كريم”، الذي شاهده الجمهور مؤخرا، نجح السيناريست المصري أحمد عبدالله في تحقيق حلم العودة إلى أصالة الحارة الشعبية برائحتها القديمة التي ملأت نسائمها كل مشهد من مشاهد العمل، حيث دارت أحداثه عن شهر رمضان بطقوسه القديمة المعتادة التي اختفت بمرور الزمن بسبب عصر السماوات المفتوحة وتكنولوجيا الحاضر.

وعاد المؤلف إلى إحياء شخصية “المسحراتي”، حيث قدم رجلا يعمل موظفا بإحدى الدوائر الحكومية خلال النهار، ثم يمسك طبلته الصغيرة مناديا أهل حارته لإيقاظهم لتناول السحور قبل طلوع الفجر.

شخصية “المسحراتي” لازمت دائما الأحياء الشعبية القديمة في رمضان، ولا تزال حتى هذه اللحظة جزءا من خصائص بعض أحياء القاهرة في الوقت الحاضر، وعبر تلك الشخصية الثرية عرض الكاتب للكثير من تفاصيل الحارة المصرية، مثل موائد الرحمن (موائد يعدها الأغنياء ليتناول فيها الفقراء الطعام مجانا)، وكذلك بائعي الفول والكنافة والقطائف (نوعان من الحلوى الرمضانية) وغيرها.

وقدم عبدالله مقارنة حقيقية بين مجتمع الحارة الشعبية ونظيره الأرستقراطي في “الكومباوند” (التجمع السكني الراقي)، الذي يقطنه رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال الذين غابت عنهم هذه الطقوس المتوارثة من الأجداد، مثلهم في ذلك مثل حال أغلب أحياء المجتمع المصري حاليا، والتي لم يعد يربطها بالشهر الكريم إلاّ عدد ساعات الصوم ومشاهدة المسلسلات بالتلفزيون.

ومزج المؤلف في مسلسل “رمضان كريم” بين الماضي والحاضر لآباء يحتفظون بالموروث القديم وأبناء يتمردون على هذا الإرث، ففي عائلة “رمضان” الذي لعب دوره ببراعة الفنان المخضرم سيد رجب، تقترب الأحداث من حال الكثير من الأسر المصرية المتوسطة التي تعاني ضغوط الحياة، فالأب يعمل موظفا بإدارة الحي ولا يزال محتفظا بمبادئه، حيث يرفض تقاضي أية رشاوى عن مخالفات البناء حتى في أحلك الظروف المادية التي يمر بها هو وأبناؤه.

المؤلف يمزج في مسلسل "رمضان كريم" بين الماضي والحاضر لآباء يحتفظون بالموروث القديم وأبناء يتمردون على هذا الإرث

معاناة رب عائلة

يرصد العمل معاناة رجل لديه ثلاثة أبناء، أحدهم “عروس” (تلعب دورها الفنانة ريهام عبدالغفور) تعاني أزمة طاحنة من عدم قدرتها على استكمال “جهازها” (أثاث بيت الزوجية)، وسط فوضى غلاء الأسعار التي ترتفع كل يوم، ومع ذلك فالأب يرفض الخضوع لإغراءات “المال الحرام”، رغم أنه يظل دائما يعدها بإيجاد الحل لتنفيذ رغباتها.

والبنت الأخرى (التي جسدت دورها الفنانة روبي) تعمل موظفة بأحد المحال المتخصصة في بيع مستحضرات التجميل ذات الماركات العالمية، وهي فتاة رافضة لواقعها متمردة على فقرها، وتحاول السعي نحو تحقيق مستوى اجتماعي وحياة أفضل، أما الابن الثالث فهو شاب مراهق يتسبب لوالده في الكثير من المشاكل.

وفي تلك العائلة يعرض المؤلف تفنيدا وتلخيصا لحياة الأسر المصرية، فالأب والأم ما زالا على نهج الأجداد الذي يغضب الأبناء، ومنهم “سناء” (روبي)، التي ترفض طبلة “المسحراتي” التي يحتفظ بها والدها، كما تعترض على جلوس والدتها في الحارة لتصنع كعك العيد كما اعتادت كل نساء الحارات الشعبية في الماضي، والثانية “رضا” (ريهام عبدالغفور) تعاني سوء الحظ بين حرق أثاث زواجها تارة وتحطمه في حادث تارة أخرى.

ولعل أعظم المشاهد التي جسدها الفنان سيد رجب في المسلسل مشهد حريق “أنتريه” (أثاث) ابنته بعد أن بذلوا جهدا فائقا في الحصول على ثمنه، وهنا بدت حسرة الأب التي عبرت عنها دموع عينيه فأظهرت وجعه الحقيقي، خاصة بعد أن عرض صاحب المحل شراء الخشب المحروق بعشرين جنيها فقط (حوالي دولارين)، وهو المشهد الذي يلخص حال الكثير من المصريين البسطاء هذه الأيام.

نماذج مصرية

العائلة الثانية في المسلسل هي “عائلة كريم”، بائع الكنافة، (الذي يلعب دوره الفنان محمود الجندي)، وهو شقيق رمضان، وطبعا لن تخفى على المشاهد تلك المفارقة بين اختيار اسمي البطلين، رمضان وكريم، وبين عنوان المسلسل، وكريم هذا لديه هو أيضا ثلاثة أبناء، ويُصر على رفع الأذان بصوته برغم سوء هذا الصوت ورفض أهل الحارة له، وهي أزمة أخرى في المجتمع، إذ لا يقوم مشايخ متخصصون بهذا الأمر في الكثير من الأحيان.

وأبناء كريم الثلاثة هم، الأول يلعب دوره الممثل شريف سلامة، وهو شاب جامعي لم يجد فرصة للعمل إلاّ كموظف أمن في أحد “الكومباوندات” الفاخرة، والثاني يلعب دوره الممثل كريم عفيفي (أحد وجوه “مسرح مصر” البارزين)، ويعمل سائق تاكسي، ولديه بعض الانحرافات الأخلاقية.

المؤلف عاد إلى إحياء شخصية "المسحراتي"، حيث قدم رجلا يعمل موظفا بإحدى الدوائر الحكومية خلال النهار، ثم يمسك طبلته الصغيرة مناديا أهل حارته لإيقاظهم لتناول السحور قبل طلوع الفجر

أما الابنة التي تعيش في “الحارة” وتواصل حياتها غارقة في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، فترفض الارتباط في البداية بشاب لديه إعاقة في ساقه رغم امتلاكه الكثير من مقومات الرجل الشرقي صاحب المواقف الرجولية، وهنا يتعرض المؤلف لثقافة المجتمع الذي سيطر عليه الإنترنت، وأصبحت فيه البنت معنية أكثر بالشكل الخارجي للرجل وليس بشخصيته، وهكذا نرى الأسرة رغم جلوس أفرادها كلهم معا، إلاّ أن كل واحد منهم مشغول بالإنترنت وليس بينهم أي حديث مشترك، وظهر ذلك في مشهد دخول الأب “كريم” على أبنائه الثلاثة قبل الإفطار واستيائه من تلك العزلة التي يعيشها أبناؤه.

وبجانب عائلتي رمضان وكريم ومشاكلهما يظهر أهل الحارة بكل متناقضاتهم، فنشاهد الراقصة التي تطاردها أعين الناس رغم توبتها، وزوجها العاطل عن العمل الذي يصر على الإفطار في نهار رمضان وتعيله هي من عملها كخياطة، كما نرى امرأة أخرى في العقد الثالث من عمرها متزوجة من رجل خمسيني تتجدد عواطفها بعد عودة حبيبها الأول، ثم نجد شابا يطلق لحيته ويحافظ على أداء كل الصلوات في المسجد بانتظام، ومع ذلك فهو لا يكف عن مشاهدة الأفلام الجنسية في المساء عقب الإفطار.

كل هذا التشريح الذي قدمه أحمد عبدالله في مسلسله أكد مدى اقترابه من طبقات المجتمع المصري، وهو ما كان الكاتب قد بدأه في سلسلة أعماله السابقة على مستوى السينما والتلفزيون، وإن كان هذه المرة حاول الابتعاد عن طابع الشجن وشبح الموت الذي يظهر دائما في أعماله ليقدم مسلسلا أعاد المشاهدين إلى “نوستالجيا” الحنين إلى الماضي، ما جعل العمل يحقق نسب مشاهدة كبيرة امتدت حتى إلى ما بعد شهر رمضان حين عُرض للمرة الثانية، محققا تفاعلا ملحوظا عبر مواقع التواصل الإجتماعي.

وتبقى الإشارة إلى أن الكيمياء التي جمعت بين مخرج مسلسل “رمضان كريم” سامح عبدالعزيز ومؤلفه أحمد عبدالله باتت عنوانا للتفاهم بينهما ما أدى إلى خروج الأعمال في أفضل صورة، وهي الحالة التي ظهرت في أعمالهما السابقة، مثل أفلام “كباريه”، و”الفرح”، و”الليلة الكبيرة”، علاوة على مسلسل “بين السرايات”، حيث ظهرت حرفية عبدالعزيز في “رمضان كريم” في جذب المشاهدين من خلال “حواديت” عادية مصورة داخل أستوديوهات داخلية في أغلبها، ولا تحمل إبهارا كبيرا في الصورة، لكنها مع ذلك جاءت صادقة ومعبرة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر