الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

كيف لتفكيرنا في المستقبل أن يسرق لحظتنا الراهنة

  • ينشغل الكثيرون بالتفكير والتخطيط للمستقبل بشكل مبالغ يدفعهم إلى الشعور بالقلق الدائم والخوف طوال الوقت من المجهول. ويلتهم هاجس التفكير بالمستقبل أحيانا الاستمتاع بالحاضر، وهو ما يدعو الأخصائيون النفسيون إلى تفاديه قدر الإمكان والتركيز أكثر على فن عيش اللحظة.

العرب نهى الصراف [نُشر في 2018/01/21، العدد: 10876، ص(21)]

الانشغال الدائم بالمستقبل يفاقم القلق والتوتر

حضور الذهن أمر بالغ الصعوبة ولا يمكن أن يكون بالبساطة التي نعتقد، فتعقيدات الحياة والتطورات الهائلة في المجال التقني جعلت من لحظات جلوسنا مع ذاتنا وتأملنا للحظاتنا نادرة، صعبة المنال، إن لم تكن مستحيلة.

إلا أنه في الإمكان التدرّب على ممارسة التأمل وكيفية أن نكون أكثر حضورا، إذ أن فوائد هذا النمط من الحياة لا تعد؛ فهؤلاء الذين يعيشون لحظاتهم بكامل حضورهم ووعيهم أكثر سعادة وهدوءا واسترخاء من غيرهم، كما أن حضور الذهن يجعلك تتناغم مع أفكارك ومشاعرك وتواصلك مع الآخرين في محيطك الاجتماعي والعائلي والشعور بهم.

وتتعامل إليسا بارباش، طبيبة نفسية والرئيس التنفيذي لمركز علاج الصدمات النفسية تامبا في ولاية فلوريدا الأميركية، بالأسلوب ذاته مع مرضاها، فتخبرهم بأن الاكتئاب يعيش في الماضي والقلق يعيش في المستقبل، أما الهدوء وراحة البال فيعيشان في الحاضر وهو ملكهم متى ما أرادوا ذلك.

وتؤكد بارباش على أهمية حضور الذهن باعتباره أساس أي برنامج للعلاج؛ مع التركيز على أهمية زيادة الوعي وتعلم التركيز على اللحظة الراهنة. وفي الواقع فإن واحدة من المبادئ الأساسية التي تطبق في العلاج الذي يعتمد على منهج “حضور الذهن”، هي أن يسمح المريض لعقله بتولي الزمام ليستحوذ على الوقت بكامله، وقت اللحظة الراهنة.

فكيف يسرق تفكيرنا في المستقبل عقلنا في الحاضر؟ الأمر ببساطة يعني أن المتعة التي تمنحها لنا لحظتنا الراهنة، سرعان ما تتلاشى بسبب ارتباط عقولنا بأفكار خارجة عن إطارها وغالبا ما تكون في المستقبل القريب أو البعيد، كأن نستمتع برحلة سفر أو نزهة عائلية أو حضور مسرح أو حفل موسيقى أو حتى جلسة شاي مع الأصدقاء، في الوقت الذي تمارس فيه أفكارنا الإبحار في مكان ما قريب من المستقبل لننتظر مرور الوقت وكأننا نستعجل النهاية، فنبدأ بالقلق على اليوم التالي الذي سيكون مكتظا بالعمل والواجبات، وهذا بإمكانه أن يفسد اللحظة ويعكّر مزاج الأمور التي كانت تمضي بسلاسة، حيث يسرق التفكير العقلاني وقت المتعة الآنية الثمين الذي لن يعود ونخسره إلى الأبد.

وهناك أيضا زمن التخطيط للقيام بشيء ممتع في الوقت الحاضر، كأن يكون التخطيط لحفل تخرج أو زفاف أو رحلة سفر لقضاء العطلة، بطريقة لا إرادية يحاول التخطيط أن يسرق من الوقت ثم يأتي القلق والخوف من احتمال ألا تسير الأمور بالشكل الذي نتمناه أو نخطط له، وهذه حفرة أخرى يمكن أن يتسرب منها المزيد من الوقت لنجد أنفسنا في النهاية، مكبّلين بالقلق على ما سيأتي أو ينفد صبرنا في انتظار انتهاء كل شيء لتتسنى لنا العودة إلى التفكير في المستقبل وما سيأتي بعد أن تنتهي فرحة الحاضر، وفي الواقع فإن هذه الفرحة ستكون قاصرة وقد أفسدناها مسبقا بالتخطيط المبالغ فيه والقلق أيضا.

زمن التخطيط للقيام بشيء ممتع في الوقت الحاضر، كأن يكون التخطيط لحفل تخرج أو زفاف أو رحلة سفر لقضاء العطلة يسرق من الوقت ويسبب التوتر

وتؤكد بارباس على أن الطريقة الوحيدة لأن نكون بذهن يقظ، هي الاستمتاع قدر الإمكان بحدث الحاضر ومحاولة البقاء فيه حتى يأخذ وقته كاملا من دون أن نسمح لأفكار المستقبل أو الماضي بأن تعكر صفوه، الأمر ببساطة هو عملية فصل مع وجود نية وتصميم لفعل ذلك، التركيز على ما سيأتي يفقدك الاهتمام بما هو أمامك ومن حيث لا تدري ستمر بالتجربة وتعيشها من دون أن تدركها حقا. وفن عيش اللحظة موجود في شتى تفاصيل حياتنا اليومية، وهو ليس قاصرا على التجارب المهمة التي تمتلك مساحة واسعة من تخطيطنا واهتمامنا، فبعض التفاصيل الصغيرة يمكن أن تفوتنا إذا لم نتوقف بين الماضي والمستقبل لنتعرف إلى مذاقها. الوقت سلعة ثمينة، علينا أن نتذوق لحظاتها ولا نتركها تمر سريعا ونحن نلهث للحاق بالمستقبل.

ومن جانبها ترى ميلاني غرينبرغ، أستاذة أميركية في علم النفس الإيجابي وخبيرة في علم إدارة الإجهاد، أن التدريب على عيش اللحظة الراهنة يعني قبولها كما هي، حتى وإن لم تكن من اختيارنا وهذا يعني قبول تجارب الحياة المختلفة، وما تركناه منها في الماضي مع التأكيد على قبول هذا الماضي وعدم إنكار إخفاقاته وقناعتنا بأن تغييره أمر مستحيل، في الوقت الذي يبقى لدينا خيار عيش الحاضر وقدرتنا على التحكم فيه.

كما يجب علينا ألا نكون مقيّدين بطرق التفكير القديمة، وهي مثل أي عادة تحتاج وقتا وجهدا حقيقيين لتغيير مسارها نحو الاتجاه الصحيح، ولهذا، وحتى نشعر بالتحسن ونلمس التغيير، تتوجب علينا مواجهة الأفكار السلبية ونكف عن خداع ذاتنا لننظر بثبات لمشكلاتنا ونحاول تهدئة قلقنا على المستقبل.

ويرى متخصصون أهمية أن يعزل المرء أفكاره، مشاعره وأحاسيسه عن ذاته في لحظة معينة؛ فالأفكار والمشاعر مهما كانت صحيحة فإنها بالتالي نتيجة خبرات ماضية وتوقعات نستقيها من تجاربنا في الحياة، ولهذا فهي من ابتكارنا والأجدر ألا ندعها تقودنا وتتحكم فينا وفي سلوكنا حتى في أوقاتنا الخاصة مع أنفسنا، وعندما نفصل هذه الأفكار والمشاعر عن اللحظة الراهنة، فإننا نتمكّن بعد ذلك من النظر إليها من بعد، من مسافة يمكننا أن نراها بوضوح أكبر وموضوعية.

أما سلوكنا الآني فينبغي أن يكون رد فعل ينبني على أساس تجربتنا المباشرة مع الأشياء التي نراها ونسمعها، بطريقة مستقلة تماما عن تأثير أحكام مسبّقة من الماضي أو توقعات عن مستقبل سيأتي.

أن نعيش حياة حقيقية ذات مغزى، هذا يعني أن نستغل كل لحظة فيها لتحقيق ما نطمح إليه وأن نسعى إلى الاتصال مع الآخرين، مشاركتهم أهدافنا وطموحنا بحسب أدوارهم في حياتنا، وهذا يعني أن نواجه مخاوفنا وقلقنا ولا نمنحهما الفرصة لإفساد أوقاتنا وتعكير مسار طموحنا.

ليس بالضرورة أن نتوقع نتائج مبهرة أو مرضية في وقت قصير، بل إن بعض النتائج قد لا تأتي على مقاس توقعاتنا وأحلامنا، المهم أن نبذل قصارى جهدنا في الاتجاه الذي نراه صحيحا وأن نستثمر الواقع الراهن بمعزل عن تجربة الحياة الماضية، وبمعزل أيضا من مخاوفنا التي نرى المستقبل المجهول بمنظارها.

بالتأكيد، لا يمكننا أن نتجنّب المرور تحت غيمة الماضي الرمادية الكئيبة، كما لا يمكننا تجنب التفكير في ما يخبّئه لنا المستقبل، لكننا بين هذا وذاك، نظل ملزمين بعيش الحاضر حتى آخر لحظة فيه.

:: اقرأ أيضاً

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر