السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

التسامح والوعي الحضاري للتعايش

  • التسامح ليس مجرد مفهوم طوباوي نقرأه في كتب الحكمة القديمة ونسمعه من أفواه رجال اللاهوت، بل هو حاجة بشرية وحيوية، يمليها نسيج من العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتشعبة، وهو ضرورة تكفل الحفاظ على مصالح الفرد والمجموعة، ولذلك عرف مفهوم التسامح منذ قرون سياقات كثيرة بحسب توجهات القوى المهيمنة.

العرب هوازن خداج [نُشر في 2016/09/08، العدد: 10390، ص(13)]

التسامح منطلق وهدف وحاجة وضرورة

ظهر مفهوم التسامح الديني كقضية محورية في اللاهوت المسيحي في أواخر القرن السابع عشر كردّ فعل على التّعصب، وبعد المعاناة الكبيرة التي عاشتها أوروبا جراء حروب المذاهب المسيحية في ما بينها، وقد شكّل هذا المفهوم حاجة ضرورية لخلق قواعد السّلم بين المتحاربين، واستطاعت الحداثة من خلال قبولها المطلق للعقل أن تؤسس للتّسامح، وتساهم في بلورة وعي جديد للدّين والإيمان يجعل من اختيار أشكال التدين حقاً طبيعيا يختص به الفرد، ويتجاوز مفاعيل الدّين وأثره على حياة الأفراد واتجاهاتهم في بناء سياسات الدول.

ومع الثورة الفرنسية تم التأسيس لحقوق الإنسان التي ألغت التمييز بين البشر، إلا أن هذا لم يساهم في خلق قواعد التّعايش المجتمعي، فالتّعددية الثّقافية “الإثنية والدّينية والأيديولوجية ..” التي نمت في المجتمعات الغربية الديمقراطية، جعلت من مفهوم التّسامح الذي يستخدم في السّياقات الاجتماعية والثّقافية والدّينية لوصف مواقف واتجاهات تتسم بالتّساهل مع ممارسات وأفعال الأفراد، يبدو قاصرا عن استيعاب حالات التنوع وتقبل الآخر واختلافاته في العادات والدين والممارسات الثقافية والسياسية، ولم يستطع تنظيم العيش خارج نطاق العنف، فشهد العالم قسوة حربين عالميتين، وظهرت أنظمة استبدادية كالفاشية والنازية، وأُخضعت فكرة التّسامح لهيمنة الثّقافة الرأسمالية السائدة والتي أسست لظهور المشكلة اليهودية في المجتمعات الأوروبية، وانقسم على إثرها اليهود الأوروبيون بين اتجاهين، منهم من سعى للاندماج مستفيدا مما فتحته الثّورة الفرنسية من آفاق العلمانية وتوسيع الحريات، ومنهم من ازداد انغلاقا أمام اشتداد النّزعة القومية، وانتشار الحركات العدائية بأبعادها الاجتماعية والسياسية والدينية، وصدور قوانين عنصرية تستهدف اليهود في كل من ألمانيا وإيطاليا.

هذا الواقع تم استغلاله بعد الحرب العالمية الثانية ليواكب مصالح الدّول الغربية في اتخاذ قرار تهجيرهم نحو فلسطين، فبدل القبول باليهود كمواطنين يفترض اندماجهم في مجتمعاتهم وأممهم، جرى نقلهم إلى “وطن” ليس لهم، وتحويل مشكلتهم من مشكلة أوروبية إلى مشكلة عربية معلقة دون حلول.

المسألة اليهودية وطريقة التعامل معها كفائض بشري منغلق وغير قابل للاندماج في المجتمعات الغربية، تدلان على ضعف التّأصيل لمفهوم التّسامح

المسألة اليهودية وطريقة التعامل معها كفائض بشري منغلق وغير قابل للاندماج في المجتمعات الغربية، تدلان على ضعف التّأصيل لمفهوم التّسامح، وجعله مرتبطا بالدّين المسيحي والكنيسة البابوية التي طالما اعتذرت عن سوء معاملتهم، وتدلان على سوء التّكريس لمبدأ حرية المعتقد وحق التّدين المنصوص عليهما في قوانين الدّول الغربية التي لم يرافقها تحرّر سياسي قادر على الاعتراف المتبادل بتساوي المرجعيات الإثنية والدّينية والمذهبية، فالتّحرُّر السّياسي لا يعني تحرُّير الإنسان من الدين بل حصوله على الحريّة الدّينية، إنما رافقها تجيير سياسي يستخدم الاختلافات الثّقافية لخلق خلافات تخدم المصالح السياسية للغرب.

في هذه الآونة وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001، رغم تفاوت النّسب بين الدّول الغربية، استبدلت المعاداة للسامية بالمعاداة للإسلام، فالمكوّن اليهودي بات معترفا به لأسباب سياسية، ويوازيه مكوّن إسلامي غدا مبعدا نتيجة الخوف، الإسلاموفوبيا التي وصلت حد اعتبار الرموز الإسلامية “الحجاب واللحى” مرتبطة بالتّهديد الإرهابي، وازدادت حدة التّمييز العنصري تجاه المسلمين.

هذا التّمييز لا يمكن رده إلى الهوة العقائدية بين الدّيانتين المسيحية والإسلامية، ولا يمكن حله عبر التّسامح المسيحي الإسلامي أو العكس، فالغرب لا يمثل المسيحية، والإرهابيون الذين يقتلون أو يكفّرون من ليس على معتقدهم، لا يمثلون المسلمين، ومفهوم التّسامح لا يسري على غير المتسامحين أصلا، ولا يقبل الانغلاق.

الوضع الحالي وخطورته بالدّرجة الأولى على الإسلام، يتطلب عملا عالميا منظما لحل جملة المعضلات المترابطة من الانبعاث الواسع والعام للأصوليات الدّينية والعرقية، إلى الانتشار الكبير لنزعات التعصّب والتّمييز، ويدفع نحو تبني ثقافة كونية جديدة تقوم على مبادئ عامة تحترم حقوق البشر وخصوصياتهم الثّقافية، وتسير وفق الإجماع التلقائي على قيم التّسامح والتّعايش المجتمعي الذي يساهم في بناء الوعي الحضاري الإنساني للمشكلات المشتركة “إنسانيا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا”.

وهذا الوعي لا ينشأ ولا يتأسس إلا بتضافر الجهود بين كافة الدّول للعمل على إيجاد قاسم مشترك إنساني أعظم من القيم الخاصة المغلقة، يساهم في الانفتاح على الآخر ويؤسس لبناء حضارات مكتملة بإجماع إنساني.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر