السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

الموت لأميركا، قادمون يا ترامب

الظاهر أن الجماهير العريضة في بلادنا العربية والإسلامية ذات الرمال الحارقة تكاد تكون هي الأبرع من غيرها من شعوب العالم كله في جهاد الهتافات والشعارات وأناشيد المقاومة والصمود.

العرب إبراهيم الزبيدي [نُشر في 2017/02/12، العدد: 10541، ص(6)]

وأخيرا ظهر الرد (العظيم) الذي هدد به الولي الفقيه دونالد ترامب على عنصريته وعداوته مع الإسلام والمسلمين. فقد غصت شوارع العاصمة والمدن الإيرانية، كافة، بمسيرات الـ”جماهير الثورية الإيرانية العريضة”، حاملة شعارات كتب عليها “الموت لترامب”،”الموت لأميركا“.

والحقيقة أن من حق المرشد الأعلى علي خامنئي، ومعه جماهيره الإيرانية العريضة، أن يغضب على ترامب حين يراه منهمكا بتسخين حرارة الحديدة الأميركية على إيران، بعد رحيل الرئيس الذي جعلها بردا وسلاما عليها وعليه.

ولكن من غير المفهوم ومن المستغرب أن تلذع حرارة الحديدة الأميركية قفا أحد من قادة الحشد الشعبي العراقي الذي صار، شرعا و قانونا، جزءا من حكومة عراقية حليفة لأميركا، لا يكف رئيسُها عن تأكيد اعتزازه بالتفاهم والتعاون مع الرئيس الجديد. فقد هدد أحد قادة الحشد (المجاهدين)، الأمين العام لقوات أبوالفضل العباس، أوس الخفاجي، بضرب بوارج الولايات المتحدة الأميركية قبالة سواحل اليمن، وراح يصرخ من على شاشة قناة “المسيرة” التابعة للحوثيين، ردا على قرار ترامب القاضي بمنع دخول الإيرانيين ومواطني ست دول إسلامية أخرى من السفر إلى أميركا، “قادمون يا ترامب”، إن “انتصاراتنا في حلب قادمة، وهي علامة على نصر الأمة العربية والإسلامية، إن بوارجكم في سواحل اليمن مهددة أيضا فامنعوا ما شئتم”.

الظاهر أن الجماهير العريضة في بلادنا العربية والإسلامية ذات الرمال الحارقة تكاد تكون هي الأبرع من غيرها من شعوب العالم كله في جهاد الهتافات والشعارات وأناشيد المقاومة والصمود. لا يُشبهنا فيه أحد. نتظاهر بالخناجر والسيوف، ونزحف وننتقم، ونهدم بيوت أعدائنا على رؤوسهم، ولكن بصواريخ الكلام الفاضي، وثم، حين يجدّ الجدّ، وتقع القارعة نبلع أصواتنا، ونتخفى بثياب النساء.

في اليابان، مثلا، لا يسير المتظاهرون الغاضبون على حكومتهم إلا بعد أوقات الدوام الرسمي، فيملأون الشوارع صامتين، في صفوف منتظمة هادئة، مكتفين بشعارات قليلة مخطوطة بأناقة تترجم همومهم ومطالبهم، دون كلام. وفي اليونان يسيرون في تظاهراتهم وفي أيديهم أقداح الأوزو، راقصين على موسيقى زوربا، وهم غاضبون. أما في دول أوروبا “الباردة” فقليلا ما تخرج تظاهرات. وإذا ما خرجت فلا ترفع سوى لافتات بيضاء مكتوبة بحبر الورد، وقليلا ما تسير فيها جماهير عريضة تشبه جماهيرنا العريضة في علوّ الصوت، وبذاءة الكلام، ومنع المرور، وتعطيل حياة العباد.

والظاهر أن الله غضب علينا، نحن العرب والمسلمون فقط، فعلَّمَنا الحب الأعمى، والكره الأعمى، ولا شيء بينهما. فحين نغضب نعمى ونطرش، ولا نرى غير أنفسنا، ولا نسمع غير أصواتنا، ولا نتخيل أيّ فضيلة فيمن نكره، وأيّ منقصة فيمن نحب.

لا نعرف الوسطية ولا نحترمها ولا نقدر عليها. فمنذ انتهاء عهد الخلفاء الراشدين وإلى اليوم ونحن لا نتقن غير الصراخ، (يعيش يعيش)، ولا يعيش من ندعو له بالحياة، و(يسقط يسقط)، ولا يسقط من ندعو عليه بالسقوط

لا نعرف الوسطية ولا نحترمها ولا نقدر عليها. فمنذ انتهاء عهد الخلفاء الراشدين وإلى اليوم ونحن لا نتقن غير الصراخ، (يعيش يعيش)، ولا يعيش من ندعو له بالحياة، و(يسقط يسقط)، ولا يسقط من ندعو عليه بالسقوط. يجيء حاكم ويرحل حاكم، ولكن لا يبقيه أهلـُه في حكم، ولا يسقطه أهلـُه من سلطة، والفضل كله للأميركان والفرنسيين والإنكليز وللطليان.

ما أبأس هذا الزمن، وما أضل جماهيره العريضة التي لا تجيد غير اللطم وغير الصراخ والعويل!

فمن أيام الخميني وقادة الحرس الثوري، ووكلاؤه العراقيون واللبنانيون والسوريون واليمنيون، من عام 1979 وإلى اليوم وهم يصرخون “الموت لأميركا” “الموت لإسرائيل” وما زلنا ننتظر.

مِثل كثيرين من حكام العالم الثالث الذين وعدوا جماهيرهم “العريضة” بأن يهزموا لها أميركا، بدءا بغيفارا وكاسترو وماوتسي تونغ وهوشي منه، وستالين وخروتشوف وكيم إيل سونغ وولده كيم جونع إل وحفيده كيم جونغ إون، ووصولا إلى بن لادن والظواهري وشافيز وخالد مشعل وحسن نصرالله وصدام حسين، وأخيرا قاسم سليماني.

وقد أرانا التاريخ، بعيدُه وقريبُه، حكاما كثيرين أصابهم غرور القوة القاتل، فعميت أبصارهم وبصائرهم، ثم ناطحوا صخورا لا قِبَل لهم بمناطحتها، ولا قدرة لشعوبهم المستضعفة على تحمل أثمان حماقاتهم ونتائجها الماحقة. ثم ذهبوا، جميعُهم، كلٌ في طريق، وبسرعة. والمحظوظ منهم صار سجينا. وغير المحظوظين سقطوا بسهولة ثم راحت الجماهير العريضة نفسُها التي كانت تتغنى بأمجادهم، تضرب تماثيلهم بالأحذية، والعياذ بالله.

وبدل أن يطلب الوليّ الفقيه من جماهيره العريضة، ومن جيوش وكلائه العراقيين واللبنانيين واليمنيين أن تهتف “قادمون يا ترامب” كان ينبغي أن يدعوها إلى التواضع، وينصحها بأن يمد كل قائد رجليه على قدر لحافه، وأن يأمرها بتأمين سلامة مؤخرات جيوشها وميليشياتها من يومٍ لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله وشعبَه والعالم بقلب سليم وبعقلٍ غير مسكون بالعفاريت.

كاتب عراقي

إبراهيم الزبيدي

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الزبيدي

إبراهيم الزبيدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر