الاربعاء 26 يوليو/تموز 2017، العدد: 10703

الاربعاء 26 يوليو/تموز 2017، العدد: 10703

حماس بقيادة السنوار: القطع مع ما بعد غزة

إذا ما أراد السنوار وأصحابه أن يكونوا جزءا من تركيبة حماس المتجاوزة لحدود غزة، فإن التوق المحلي لإعادة اللحمة مع إيران دونه شروط علاقة القيادة السياسية في الخارج مع عواصم المنطقة وقواعدها الجديدة.

العرب محمد قواص [نُشر في 2017/02/17، العدد: 10546، ص(9)]

ليس من الحكمة الاجتهاد في تفسير انتخاب يحيى السنوار رئيسا لحركة حماس في قطاع غزة على نحو يتجاوز الحدث وجغرافيته ومحلية حصوله. فالحركة باتت محشورة داخل ظروفها البيتية بعد أن انقطع حراكها عن مشروع الإسلام السياسي العام في كل المنطقة، ولم تعد تنتمي إلى مشاريع إقليمية عابرة للجهات والبلدان، واقتصر طموحها على التمسك بالسيطرة على القطاع وسيلة وهدفاً لا يرقى إلى ما بعده.

ولئن تصدر عن منابر “حماس” أن قائدها الغزي الجديد هو ثمرة عملية شورية تقليدية تجري داخل أطر الحركة بما لا يتطلب تحليلات بعيدة المدى مغرضة المضمون، فإن الأمر يبدو كذلك، بما يعني أن الواجهة القيادية لحماس في غزة تتصالح مع الأمر الواقع الحالي، من حيث السطوة التي تحظى بها الأسماء المنتخبة، وفي مقدمها السنوار، على شؤون الحركة في جناحيها السياسي والعسكري.

وفيما يتواكب اسم السنوار الذي فاز بالأغلبية في انتخابات الحركة في خان يونس مع اسم نائبه خليل الحية الذي فاز بالأغلبية في شرق غزة، مع شخصيات مثل محمود الزهار وصلاح البردويل وغيرهما، فتلك صورة تخفف من الاستعجال في استنتاج غلبة الجناح العسكري على السياسي، باتجاه تأمل تعايش الجناحين وفق قواعد جديدة تجدد الشخوص القيادية وتضخ بها ما يطلق عليه قريبون من الحركة صفة “الدماء الجديدة”.

لا يعتبر السنوار غريباً عن الصفوف الأولى لحماس، فهو كان ممثل “القسام” في المكتب السياسي، وبالتالي فإن ارتقاءه إلى صدارة المشهد لا يعدو كونه تبدلاً في وظيفة يعرفها ويدرك كواليسها. وبهذا المعنى فإن التبرع بالقول إن في انتخاب السنوار نزوعا نحو “تشدد” لا يشبه “اعتدال” سلفه إسماعيل هنية فيه تعجّل لا يعي ثقل الضغوط التي تحاصر الحركة، والتي لا ينفع للتخفيف منها التلويح بالشدة وأدواتها.

والحقيقة أن اختيار قائد لحماس في غزة هو اختيار لقائدها الفعلي العام. فالحركة لا تملـك في هـذا العالم إلا القطـاع، فيما تواجدها في الضفة الغربية أو في تجمعات الشتات الكبرى هو حضور فصائلي يتعايش مع بقية تيـارات المشهد الفلسطيني العام. وبالتالي فإن من يقود الفعل الحمساوي الغزي يمتلك لبّ الفعل الذي لا بد لحماس الخارج أن تأخذه بعين الاعتبار، سواء كان رئيس الحركة خالد مشعل أو خلفه المحتمل إسماعيل هنية.

يأتي انتخاب “العسكري” يحيى السنوار بعد مرحلة ملتبسة عاشتها حركة حماس خلال السنوات التي تلت انتخابات القيادة السابقة عام 2012. فقد انتعشت الحركة الإسلامية الفلسطينية بما كان يَعِد به “الربيع العربي” عام 2011 من سطوة لجماعة الإخوان المسلمين في العالم العربي. تعاظمت طموحات الحركة منذ طردها للسلطة الفلسطينية من غزة في مفصل الانقسام الدموي الشهير عام 2007. تغافلت حماس بعد ذلك عن مشروعها المحلي معوّلة على أن يكون حضورها في غزة هو امتداد طبيعي لحضور الإخوان المسلمين في مصر، لا سيما في عهد رئاسة محمد مرسي، بما يصل الأصل بالفرع، ليمتد نحو الميادين التي تقدم داخلها الإخوان في تونس واليمن وسوريا وليبيا.

وبغض النظر عن الظروف الميدانية التي أدت إلى نشوب حروب غزة وإسرائيل (2008 و2014)، فإن حماس في كرّها وفرّها كانت تمثل أجندة إقليمية تتجاوز حدود القطاع، ترتبط مباشرة باستراتيجية إيران في المنطقة لجهة الإطلالة على إسرائيل من الحدود الشمالية التي يشرف عليها حزب الله في لبنان، ومن تلك الجنوبية التي تُمسك بها حركتا الجهاد الإسلامي وحماس المقربتان علنا من طهران.

على أن حماس التي كانت تمثل ذروة التحالف بين الإخوان المسلمين وإيران في مراحل سابقة، دفعت ثمن قرار الجماعة بفك الارتباط مع طهران لتعارض أجندات الطرفين وتناقض طموحاتهما في ميادين المنطقة. وإذا ما راهنت حماس على نصر وسطوة الإخوان في موسم الربيع العربي، فإن تبدل المزاج الإقليمي ضد الإسلام السياسي في المنطقة، فاقم من أزمة الحركة وارتباك بوصلتها السياسية.

ظل الكلام عن خلاف بين الجناح السياسي والعسكري، أو بين قيادة غزة وقيادة الخارج، متمحوراً حول طبيعة العلاقة مع طهران. راهنت قيادة خالد مشعل على التسليم بالحلف مع تركيا وقطر، فيما تمسكت قيادة الداخل، لا سيما قيادة “القسام”، بتواصل مع إيران وبمطالبة لإعادة الوصل وترميم ما تصدع في علاقات الطرفين. وإذا كانت مسألة موقف الحركة من المسألة السورية مفصلية في تحديد طبيعة العلاقة التي تشترطها طهران، فإن القيادة العسكرية للحركة أظهرت نزوعاً لتبني رؤى طهران في هذا المضمار من أجل “تدعيم التحالف المشترك ضد العدو المشترك”.

يأتي انتخاب السنوار في لحظة توتر في العلاقات الأميركية الإيرانية على نحو قد يشي بصدام يهدد ميادين النفوذ الإيراني في المنطقة. تحتاج طهران إلى تدعيم أوراقها الإقليمية، لا سيما داخل مناطق التماس مع إسرائيل: لبنان وغزة. ليس بالضرورة أن يغير انتخاب السنوار من طبيعة العلاقة (لا سيما اللوجستية) التي ستربط الحركة بطهران، إلا تلك المتصلة بالودّ الإعلامي والسياسي المتبادل وفق شعارات معسكر الممانعة.

وإذا ما أراد السنوار وأصحابه أن يكونوا جزءا من تركيبة حماس المتجاوزة لحدود غزة، فإن التوق المحلي لإعادة اللحمة مع إيران دونه شروط علاقة القيادة السياسية في الخارج مع عواصم المنطقة وقواعدها الجديدة.

سيطيب لإسرائيل أن تردد لازمة مفيدة تتحدث عن قيادة حماس المتشددة على رأس التنظيم في غزة، ففي ذلك الكثير من الماء الدافق نحو طواحينها. وسيطيب لبنيامين نتنياهو وطاقمه الحاكم حمل الحدث بصفته استحقاقا خطيراً يهدد أمن إسرائيل.

وسيسهل على تل أبيب تسويق إرهابية التهديدات التي تطل من غزة طالما أن القائد الجديد لحماس هناك، يحيى السنوار، مدرج على لوائح الإرهاب في الولايات المتحدة. لكن حماس، بقيادتها الحالية أو السابقة، محكومة بضريبة الجغرافيا التي تتحكم بقرارها أيا كان رأس الحركة في غزة أو في الخارج.

يصل السنوار إلى قيادة حماس في غزة فيما خلفياته الداعمة في مأزق كبير. فالبيئة الدولية مجمعة على محاربة الإرهاب الإسلامي الذي يمثله تنظيما داعش والقاعدة، ما يسهل للإسرائيليين تسويق “إرهاب” إسلاميي غزة، فيما تلوّح منابر إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الولايات المتحدة بالعزم على إدراج جماعة الإخوان المسلمين على لوائح الإرهاب في العالم.

بالمقابل يبدو موقف إيران مربكا إثر انهيار الآمال التي عقدتها طهران على الاتفاق النووي، وبروز سياسة عدائية من قبل واشنطن لا تهدد هذا الاتفاق فقط، بل تَعِدُ بتقويض تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة. وبين هذا وذاك تُظهر قطر تهدئة لحراكها الإقليمي، ويبرز الموقف التركي (الذي كان ممكنا للحركة التعويل عليه) بصفته متحوّلا براغماتيا قد لا تكون حماس ضمن أولوياته.

يعرف السنوار ابن مخيم خان يونس في قطاع غزة ما لمصر من ثقل على مسار ومصير اليوميات الغزية. ويعرف الرجل بصفته القيادية داخل المكتب السياسي السابق مضامين التواصل بين حماس والقاهرة، وبالتالي هواجس مصر الأمنية وأولوياتها. وإذا ما كانت علاقات قيادة خالد مشعل للحركة، لا سيما في جانب تحالفاتها الإقليمية، مصدر إرباك لتفاهم ما مع القاهرة، فإن العاصمة المصرية قد تنظر بعين الرضا إلى قيادة السنوار بصفته ممسكا بقرار غزة، وبالتالي أقدر على الالتزام بأي اتفاقات أمنية محتملة مع القاهرة.

لا تمتلك حماس المحاصرة في غزة إلا سبيل الاتفاق مع مصر سواء كانت قيادة حماس متشددة أو معتدلة. ولا تملك حماس إلا الاستنتاج أن موازين القوى لا تتيح لها الانخراط في حسابات طهران على حساب أمن واستقرار المنطقة التي تسيطر عليها في فلسطين.

ولا يملك السنوار ورفاقه إلا قراءة شروط الراهن كما المشهدين الإقليمي والدولي، بما في ذلك دفن “حل الدولتين” الذي قد تباركه واشنطن، لاستنتاج الحاجة إلى صون الذات من أنواء تعصف بدول المنطقة وتهدد بجراحات كبرى داخلها. يكفي الاستماع إلى أهل غزة للخروج بخلاصات لا تقوى على اجتياز حدود القطاع.

يتم تقديم أمر القيادة المتشددة على رأس حماس في غزة وكأن تلك المعتدلة كانت تمنع “العسكر” من تحرير فلسطين. سنكتشف معاً أن “العسكر” هم أكثر العارفين بحدود القوة التي لطالما تجاهلها أهل السياسة والاعتدال، لصالح حسابات يسيل لها لعاب العواصم البعيدة.

لا نعرف عن السنوار إلا ما كتبته التقارير الإسرائيلية وما حفلت به فنتازيات الرجل الغامض. بيد أن أولاد الميدان هم أكثر الناس براغماتية وواقعية، وأقلهم تعلقا بالطموحات المتخيلة. وقد تقلب غزة صفحة الانتماء إلى التنظيم الدولي من أجل الانخراط في استراتيجية “غزة أولا”، وربما، وأخيراً.

ربما قد يجوز تأمل إعادة إثارة موضوع إقامة دولة في غزة تتمدد نحو سيناء، في ذلك ما يتطلب تموضعا آخر لحماس.

صحافي وكاتب سياسي لبناني

محمد قواص

:: مقالات أخرى لـ محمد قواص

محمد قواص

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر