الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

الفرد وثقافة الجماعة

الثقافة القائمة على الشعور بالفردية مثلاً تقع في تناقض مع قيم علاقات القرابة، التي تتطلب نمطاً من الشعور بالانتماء والتضامن بمعزل عن الموقف الموضوعي.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2017/02/28، العدد: 10557، ص(14)]

لن نضيف جديداً حين نقول بأن ثقافة الجماعة هي الشرط التاريخي الذي تتكون فيه ثقافة الفرد. وإن الفرد مهما بذل من سعي فردي للتحرر من ثقافة الجماعة فإنه من النادر أن ينجز تحررا شاملا من هذه الثقافة. غير أن المشكلة تظهر في نمو ذاتية الفرد إلى درجة وصوله إلى الأنا الواعي لذاته، ولذات قررت أن تكون ثقافتها من صنع عقلها.

والفرد هذا الذي وصل إلى درجة الأنا الواعي لذاته يقع -لا محالة- في تناقض مع الجماعة، وتقع ثقافته التي صاغها عقله الفردي مع الثقافة التي صنعتها الجماعة عبر تاريخها الطويل. تناقض كهذا يفضي إلى استعار حرب بين ذات حرة وجماعة تمتلك السلطة.

تتمثل سلطة الجماعة في لوحة من القيم المتوارثة حول الحق والخير والشرف والحب والمرأة والحرية والعلاقات المعشرية إلخ. وهي لوحة قادرة على فرض سلطتها المعنوية التي تفضي إلى السلوك.

حين يصل الفرد إلى حال الأنا الواعي لذاته وصار ينهل من منابع ثقافية قيمية كثيرة ويكون لديه الشعور بالحرية والاستقلال العقلي القادر على اتخاذ الموقف الحر فإنه يكون ثقافته المستقلة وعندها يصل التناقض حداً يصير معه التعايش بين ثقافته الحرة والثقافة السلطة مستحيلا.

فالثقافة القائمة على الشعور بالفردية مثلاً تقع في تناقض مع قيم علاقات القرابة، التي تتطلب نمطاً من الشعور بالانتماء والتضامن بمعزل عن الموقف الموضوعي. والشعور بالذاتية والموقف الفكري الناتج عن المعرفة والإعلاء من قيمة الإنسان تقع في تناقض مع قيم الثأر القبلي. وقس على ذلك فإن الانتماء الفكري – الروحي لقيم الوطنية يقع في تناقض مع ثقافة الجماعة.

تميل ثقافة الجماعة، غالبا، إلى المألوف وتنفر من الجديد والفذ وبخاصة إذا كان صادماً لأشكال الوعي. وثقافة الجماعة بوصفها سلطة تجرد الأسلحة المتنوعة لمحاربة الجديد.

فلو تناولنا الوعي الجمالي الشعري للجماعة في كل أقطار العرب سنجد أن هذا الوعي مازال مرتبطاً بما هو تقليدي وكلاسيكي بالرغم من مرور وقت طويل على التجديد الشعري العربي الذي بدأ من النصف الثاني من القرن العشرين.

‏وقس على ذلك مكانة المرأة في الوعي الذكوري. فلقد بدأ تحرر المرأة بشكل فردي واستجابة لشروط الحياة الجديدة، ومع تزايد هذا التحرر الثقافي الفردي أصبح تحررها واسعا ومع ذلك مازال الخطاب القديم عائشاً بفضل كاتبيه ومتلقيه.

ينتج عن هذا التناقض بين ثقافة الفرد الجديدة الساعية لأن تصبح ثقافة الجماعة من ناحية وثقافة الجماعة بما هي سلطة من ناحية ثانية وجود ثقافتين متناقضتين مختلفتين على الأرض، والذي من المفترض ألا يطول. ولكن إطالة مدة التناقض إلى حد يدعو للدهشة بين الثقافتين، بل ونوسان الثقافتين بين قوة الحضور وضعفه، تؤدي إلى استمرار شعور الاغتراب لدى الفرد الذي سعى للتجاوز.

حتى في عالم الأزياء نجد مثل هذا التناقض الممل. فإذا كان بعض مثقفي المدن هم أول من لبسوا الزِّي الغربي وتلاهم مثقفو الأرستقراطية الريفية واستمر اعتماد الزِّي الغربي في التزايد فإنه في واقع الحال نجد تعايش الزيين من جهة وعودة للزي القديم عند فئات تركت زيها القديم لسنوات طويلة.

ولعمري بأن أهم ما يميز حركة الثقافة العربية الآن هو استمرار التناقض بين ثقافة الفرد وثقافة الجماعة دون أن يكون ذلك تعبيراً عن صراع الأجيال.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر