الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الراديون

الاختراع الجديد له اسم كأنه مبتور إذ ينتهي بحرف علة. فأضاف الناس من عندهم نونا ليكتمل الاسم وصار اسمه راديون. ولأن الراديو جديد وملغز فقد حار الناس في التعامل معه.

العرب حسين صالح [نُشر في 2017/03/07، العدد: 10564، ص(24)]

التلفزيون يدعو إلى الاستقرار والجلوس الثابت. الراديو لا يتطلب أن يتسمر الإنسان أمامه ليسمعه لذلك صار أداة الإعلام الأولى في الصباح. محطات التلفزيون كلها تبث في الصباح لكن الإنسان في الصباح متحرك يغسل ويحلق ويكوي ملابس ويبحث عن جوارب نظيفة أضف إلى ذلك مطاردة فلذات أكبادنا لإلباسهم لباس المدرسة فضلا عن الإفطار وتحضيره، وهكذا.

الصورة في الصباح تذكر ببيت الحارث بن حلّزة في معلقته “من منادٍ ومن مجيب ومن تصهال خيلٍ خلال ذاك رغاءُ”. لكن الناس صاروا يستخدمون التلفزيون في الصباح أيضا دون أن تنظر إليه؛ يعني يجعلونه راديو، وأصحاب القنوات يدركون ذلك فجعلوا برامج الصباح راديوية لا حركة فيها ولا صور بل ناس جالسون يتكلمون.

الغربيون أكثر وفاء للراديو منا. هم أكثر وفاء للمخترعات القديمة منا على العموم. ذلك، ربما، لأن لهم يدا وعندهم استثمار في المخترعات. استثمروا فيها بمعنى استثمروا جهودهم وعقولهم في إخراجها. الإنكليز ما زالوا إلى اليوم يتفرجون على القطار بإعجاب وقد مر على قطار ستيفنسن قرابة الثلاثة قرون.

الراديو أحدث هزة اجتماعية أكبر من تلك التي صنعها التلفزيون أو الكومبيوتر أو الهاتف الذكي. أسلوب السمر في المقاهي مثلا تغير، ويرصد نجيب محفوظ في “زقاق المدق” كيف أن صاحب المقهى يطرد الشاعر الذي يسهر الناس على حكاياته وربابته بسبب وفود الراديو.

في البيوت صارت العوائل تسمع أصواتا قادمة من بعيد تحكي وتغني وتقرأ القرآن. والأخطر أن الراديو صار منصة تحريض على الانقلابات ويحمل خطب جمال عبدالناصر النارية. والاختراع الجديد له اسم كأنه مبتور إذ ينتهي بحرف علة. فأضاف الناس من عندهم نونا ليكتمل الاسم وصار اسمه راديون. ولأن الراديو جديد وملغز فقد حار الناس في التعامل معه. أذكر أن صاحب دكان قريب منا في بغداد كان يدع الراديو مفتوحا في المحل طول اليوم وكلما قال المذيع “أعزائي المستمعين السلام عليكم ورحمة الله” يرد الحاج صاحب الدكان “وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته”.

عندي صديق قريب جدا وهو مذيع أزلي. ما زال حين يتحدث لا يهمه إن كان المستمع يصغي أم لا. يقول إنه في الراديو لا تعرف ولا تريد أن تعرف إن كان هناك من يسمع بل تتحدث فقط وأنت لوحدك.

صديقي هذا ذكر لي أنه كان في بدايات عمله الإذاعي إذ سافر من العاصمة حيث يعمل في الراديو إلى بلدته في جنوب العراق، هناك وجد والدته “زعلانة منه” ولا تريد أن تكلمه. بعد الاستجواب المكثف قالت له إنها زعلانة “لأن هناك ناسا سمعوك تذيع في بيت الحاج عبدالستار وأنت تعلم أننا ‘مقاطعينهم’ ولا نكلمهم”.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر