الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

'آي بوي' يجسر المسافة بين الكائن البشري والعالم الرقمي

  • التكنولوجيا الرقمية تزحف وتتداخل مع الحياة اليومية للكائن، ليس ذلك جديدا، لكن الخيال العلمي يذهب بعيدا في استقصاء تسلّل تلك الأدوات والوسائل الرقمية ووصولها إلى الثقافة والعقل والوعي، وبذلك لا يصبح وجودها هامشيا، بل فاعلا حيويا وأساسيا، وهو ما أتاه فيلم “آي بوي” لآدم راندال.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2017/03/13، العدد: 10570، ص(16)]

انتقام رقمي

يطرح فيلم “آي بوي” للمخرج آدم راندال (إنتاج 2017) العلاقة الفاصلة ما بين الإنسان والوسائل الرقمية، حيث يختبر الفيلم المقتبس عن رواية تحمل نفس العنوان للروائي كيفين بروكس، تلك العلاقة بشكل غير مسبوق، فيصبح “آي فون” مكمّلا ومتماهيا مع “آي بوي”.

بالمصادفة المحضة يحصل ذلك الاندماج العجيب من خلال الشاب توم (الممثل بيل مالنر) أثناء زيارة لصديقته لوسي (الممثلة ميسي وليامز) وهناك يجد ثلّة من المنحرفين المقنّعين وقد هجموا على منزلها واغتصبوها، وصاروا يلاحقون توم مما يتسبب في إصابته بالرأس ودخول الخلايا الرقمية من هاتفه النقال إلى دماغه، وبذلك يصبح ممتلكا مقدرة هائلة واستثنائية في التقاط الأرقام ومشاهدة المحادثات والتسلل للحسابات الشخصية، وكل ما يمت بصلة إلى العالم الرقمي.

يخرج توم من المستشفى وهو في هذه الحال بحسب ما يخبره الطبيب الجراح، وأن عليه أن يتكيّف مع الوضع الجديد الذي يعيشه رفقة جدته (الممثلة ميراندا ريتشاردسون)، فكيف سيتعامل مع واقعه الجديد؟

تبنى حبكة الفيلم ومجمل الدراما الفيلمية على مزيج ما بين الجريمة والعنف والخيال العلمي، وتمضي أحداث الفيلم برمّتها في ملاحقة لا تنتهي ما بين توم والعصابة، مستخدما قدراته الرقمية الجديدة في الفتك بهم واحدا بعد الآخر.

البطولة الخارقة هي الميزة التي أراد المخرج إضفاءها على توم، وهي ليست جديدة على ميدان السينما على أيّ حال، لكن بطلنا الخارق هنا يتهاوى في بعض المرّات ويسقط إبّان جولات الصراع مع العصابة المنتشرة أفرادها في الضواحي الإنكليزية المهملة، وهم غالبا أقران توم وفيهم من هم معه في المدرسة الثانوية، لكنهم منخرطون في كل أشكال العمل الإجرامي.

يمعن الخيال العلمي في التقاط تلك القدرات الخارقة بتوظيفها خطّا سرديا أساسيا يجذب الجمهور لمتابعته، ومن ذلك قدرة توم على تفجير أجهزة الهاتف المحمول التي يحملها أفراد العصابة وهم يطوقونه، وبذلك يقتصّ منهم، فالقدرات الافتراضية التي بني عليها السّرد الفيلمي ستتعدى مجرّد قدرة توم على القرصنة الرقمية، بل إنه يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بالدخول إلى الحسابات البنكية، وإفراغ رصيد زعيم العصابة في حدث زاد من شراسة العصابة نفسها، ثم محاصرته أفراد العصابة في داخل السيارة وإشعالها بهم ومنهم من مات اختناقا.

الفيلم يقدم دراما سجالية يختلط فيها الخيال العلمي بأبسط مبادئ الدراما في وجود شخصية البطل المنتصر على خصومه

المحطات التي تنزل بمستويات السرد المتصاعد معدودة وتشمل الحوارات بين توم وجدّته من جهة، وبينه وبين صديقته وحبيبته لوسي من جهة أخرى، وهو يخبر هذه الأخيرة بأن كل ما يقوم به هو انتقام لها، وهي الرافضة كليا لما يفعله، إذ لا ترى في انتقامه الشرس حلا لمشكلتها، وكذلك جدّته التي تؤنّبه على أفعاله.

ولكي لا تستنفد الحبكة الدرامية قوّتها وغايتها يتم الزج بلوسي في مجموعة مشاهد دراماتيكية، بعد اختطافها ثم انتزاعها سلاح أحد أفراد العصابة والإيقاع بهم، وهي انعطافة ملفتة للنظر في البناء الدرامي لجأ إليها المخرج لغرض إنعاش خط الدراما الفيلمية التي شهدنا فيها رتابة في بعض المشاهد.

في الحصيلة النهائية هي دراما سجاليّة يختلط فيها الخيال العلمي بأبسط مبادئ الدراما في وجود شخصية البطل المتفرّد والمنتصر وخصومه الكثيرين، لكن البطل الاستثنائي في بعض المشاهد يستدعي تعاطفنا، ولا نقول عطفنا، لضعف قدراته الجسمانية أمام توحّش أفراد العصابة وسلوكهم الإجرامي، فهو يكاد يصل بنا إلى النهاية واللاجدوى، ولكنه سرعان ما يلتقط تلك النهاية المؤقتة، ليقوم بفعل جديد يصدم أفراد العصابة ويزيد من شراستهم، وصولا إلى اقتحام منزله واحتجاز جدّته واحتجاز لوسي، وعندها يستخدم أقصى قدراته في التخابر والقرصنة ليقضي على خصومه.

يلفت النظر في وسط هذه الدراما المتصاعدة، الانتقاء الجيد لأماكن التصوير ومستويات الإضاءة التي برع فيها مدير التصوير المخضرم إيبين بولتر من حيث استخدامه الحبكات الثانوية والذروات التي تتوزع في ثنايا أحداث الفيلم كأرضية لحلول إضائية وزوايا ومستويات تصوير تفيض جماليّة وبراعة، مما عزّز ذلك التصعيد في الدراما وجذب المشاهد إلى الأحداث، تضاف إلى ذلك حلول الغرافيك عند القيام بالقرصنة، وظهور الشاشات والأرقام والرسائل الإلكترونية المقرصنة في تتابع مونتاجي مميز برع فيه المونتير جيس باركر.

لعلّ هذا الفيلم يقدم لنا في حصيلته النهائية عملية جَسْر للمسافة ما بين الكائن البشري والعالم الرقمي، وكيف يتحول إلى منظومة بشرية رقميّة على أساس السؤال الأزلي الذي يحرّك الخيال دوما، وهو “ماذا لو؟”، وقد توصلنا من خلال الفيلم إلى إجابة “ماذا لو امتلك الإنسان تلك القدرات الرقمية”، حينها سيساهم في القضاء على الجريمة ويعيش حياة سعيدة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر