الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

لباس العافية

تخلي الحضارة العالمية الحالية عن مفهوم وحدة جنسها البشري، وعدم اعتبارها مسؤولة عن كل ما تنتجه من أفكار وأفعال في عموم الكوكب، لهو عنصرية واضحة.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/03/24، العدد: 10581، ص(24)]

بدلا من أن يناشد رجال الدين، من كل دين، أتباعهم الهدوء والعيش المشترك، تجدهم في كل سانحة، يستعملون ألفاظا ووصايا لا يفهمهما إلا المتعصبون من جماعاتهم، فيزيدون في الجمر اتقادا، وتدور الدوائر من رش بريء لطائرة حربية بماء كنسي، لتصل إلى ذئب شارد يفكر في الانتقام، ومن مواقف يطلقها أحد المسؤولين في ما وراء البحار، إلى مشهد كالذي رأيناه في شوارع لندن قبل أيام.

إن تخلي الحضارة العالمية الحالية عن مفهوم وحدة جنسها البشري، وعدم اعتبارها مسؤولة عن كل ما تنتجه من أفكار وأفعال في عموم الكوكب، لهو عنصرية واضحة تفتح الباب أمام ما يجري. فترك ينابيع الشر موافقة على الشر ذاته. ولكن إلى متى سيستمر هذا التراشق الحضاري ما بين الأمم؟

الفارق أن شعوبنا المتخلفة أكثر صبرا، بينما بقية شعوب العالم أفسدها الدلال والرفاهية والتعليم والاقتصاد القوي والتكنولوجيا والرعاية الصحية، وبقية هذه الأمور التي لم يروا أننا في المشرق بحاجة إليها، فتركونا وحدنا.

ولن يعجز أهل الشرق عن ابتكار كل وسيلة ماكرة للعيش وسط هذه الخرائب، فهم أصحاب الكلام، والكلام سحر يقلب كل شيء إلى نقيضه. واللهيب يصبح راحة بال واسترخاء في جملة واحدة حين يسبغ الله على أحد “لباس العافية”. كما بين المعنيين للعافية من فارق في بيروت أو تونس.

لباس كهذا لا يختلف بشيء عن بضاعة من قال ذات يوم “ولستُ إذا ما سرّني الدهر ضاحكاً/ ولا خاشعاً ما عشتُ من حادث الدهرِ”. أعني مسكين الدارمي، الذي كان قد زهد في العيش واتجه إلى التصوف، قبل أن يصل إلى المدينة تاجر يحمل خمراً داكنة اللون (جمع خِمار). فكسدت بضاعته ولم يشترها أحد في زمن الحريات والانفتاح العربي القديم.

فنصحوا التاجر بالذهاب إلى الجامع، والحديث مع رجل يجلس وحيدا. ولم يكن ذاك الرجل سوى مسكين. فنصحه الأخير بأن ينشر بين الناس هذه الأبيات الثلاثة، مؤكدا له أنه سيرى النتيجة سريعا. قال مسكين “قل للمليحة في الخمار الأسودِ/ ماذا فعلت بناسـك متعبدِ؟/ قد كان شمّر للصلاة ثيابهُ/ حتى وقفتِ له بباب المسجد/ ردّي عليه صلاته وصيامَه/ لا تقتليه، بحق دين محمدِ”.

انتشرت قصيدة مسكين، كما يعرف كثيرون، حتى يومنا هذا. وأقبلت النساء على شراء البضاعة، وانتشر الخمار الذي أعلنت المحكمة الدستورية الأوروبية اليوم عن تأييدها لمنعه في أماكن العمل، ولو أنها اتبعت سبيل مسكين الدارمي لربما أقنعت نساء الشرق باستبداله، بدلاً من نزعه بالقوة وخلق شرارة جديدة سنرى تأثيرها هنا أوهناك.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر