السبت 25 فبراير/شباط 2017، العدد: 10554

السبت 25 فبراير/شباط 2017، العدد: 10554

'القبيسيات'.. المعلن الدعوي والمضمر السياسي

جماعة 'القبيسات' تتميز بأن أغلب منتسباتها جامعيات وأحد أهم مصادر التثقيف كتب الفقه التي تدرّس حسب اختلاف المنطقة والولاء.

العرب هوازن خداج [نُشر في 2016/09/16، العدد: 10396، ص(13)]

جمعية نسوية دعوية لا ترى ضيرا في ولوج السياسة

جماعات دينية نسوية منغلقة، نشأت في أقطار عربية إسلامية عديدة، تدعي أنها تنأى بنفسها عن التيارات السياسية وتزعم التركيز على الدعوة الإسلامية، لكن صلتها بالأنظمة القائمة وسعيها للتربح الاقتصادي، فضلا عن بنيتها التنظيمية الصارمة والبعض من مطالبها المتطرفة، تجعلها تصنف بالضرورة ضمن تيارات الإسلام السياسي ولو كانت تدفع عن نفسها تلك التهمة.

تتعدّد الأسماء (القبيسيات، السّحريات، الطّباعيات) نسبة إلى “الآنسة” المؤسسة لهذه الجماعة التي انطلقت من سوريا وبدأ انتشارها في نهاية الثمانينات إلى بلدان عديدة مثل الخليج واليمن ومصر وأوروبا وأميركا وأستراليا وغيرها، وتختلف التّحليلات والتّصورات حول هذا الوجه النّسائي الدّعوي وذلك لما يلف هذه الجماعة من السّرية والانعزال، ما جعلها تتعرض لانتقادات من قبل البعض من السلفيين والمعتدلين، إضافة إلى العلمانيين.

أسّست جماعة “القبيسيات” منيرة القبيسي، مدرّسة مادة العلوم وخريجة كلية الشّريعة، والتي تتلمذت على يد الشيخ أحمد كفتارو مفتي سوريا عام 1964 ذي الميول الصوفية النّقشبندية، والشيخ محمد سعيد البوطي إمام الجامع الأموي وعميد كلية الشريعة سنة 1977. اعتمدت منيرة على النّشأة المترفة والعلاقات الجيدة مع العائلات الدّمشقية المخملية، وتقربت لزيادة نفوذها من الجماعات الإسلامية الدّعوية.

الجماعة لم تتعرض للمضايقات باستثناء الهجوم الذي شنته الجماعات السّلفية في الكويت والأردن وجماعة الأحباش في لبنان، أما في سوريا فقد سمح لها بالعمل العلني منذ عام 2006 بسبب ازدياد نفوذها وقوتها الاقتصادية

استطاعت القبيسي ممارسة الدّعوة الدّينية الإسلامية في مدارسها رغم الأوضاع المربكة وحالة المنع التي عاشتها سوريا في الثمانينات، وحققت نجاحاً باهرا وجذبت إليها الكثير من الفتيات، حيث ظهرت في تلك الفترة بعض المدارس التي تسيطر عليها فكرياً حركات دينية متنوعة لاستقطاب الشباب في فعاليات اجتماعية خارج الإطار المدرسي، إلا أن المدارس الإسلامية للأطفال برعاية القبيسيات بما تقدمه من تربية مدروسة ومتقنة ضمن إطار الأسلوب النّظري الإلقائي، لاقت رواجا كبيرا بسبب ما اشتهرت به هذه المدارس من اهتمام بالدين وتحفيظ القرآن لكافة الأعمار إضافة إلى العلم “الدّنيوي” بشكل بسيط، ولأن ريعها يعود لأعمال خيرية حسب ما أشاعت نساؤها، وهو ما زاد انتشارهن، وحسب تقدير 2006 بلغت مدارسهن في دمشق وأحيائها 80 مدرسة، تديرها أكثر من 75 ألف مربية، أما انتشارهن خارج سوريا فكان عن طريق الآنسات اللاتي تفرقن، واستطعن تأسيس جمعيات خاصة بهن، فبرزت في لبنان سحر حلبي، وعرفت الجماعة باسم “السحريات”، وفي الأردن فادية الطباع، وعرفت الجماعة بـ”الطباعيات”، وفي الكويت أسست الجماعة أميرة جبريل، وعرفت تحت اسم جمعية “بيادر السّلام”، وهذه التّسميات تصدر من خارج الجماعة، لأن أعضاءها لا يسمونها بأي تسمية.

تميزت الجماعة بأن أغلب منتسباتها جامعيات، وأحد أهم مصادر التثقيف كتب الفقه التي تدرّس حسب اختلاف المنطقة والولاء، ففي دمشق ولبنان يُدرس الفقه الشّافعي، وفي حلب الفقه الحنفي، وفي السعودية الفقه الحنبلي. ويرجع سبب انتشارهن لعدة أسباب منها:

1 - الابتعاد عن التّيارات السّياسية والاهتمام بالدّعوة الدينية والتّركيز على الجانب الرّوحي في الإسلام دون إهمال للجانب العلمي.

2 - طريقة الدعوة المعتمدة على المثقفات الميسورات وعلى حالة الضياع لدى المراهقات فتنوب الآنسة عن الصديقة الأم في حلّ مشاكلها وسدّ الفراغ الروحي “العرابة”.

3 - الطّاعة المطلقة والتّنظيم لكل أمور نسائهن، بدءا من ارتداء “الإيشارب” (المنديل) الأبيض، ثم “الإيشارب” الأزرق للآنسات، إلى السّماح بالزّواج أو منعه.

4 - السّرية؛ إذ يشترط على المريدة الكتمان الشديد لما يخص الآنسات، ومن تنسحب من التنظيم تسمى المنشقة وقد تشكلت صفحة على “فيسبوك” باسم “حرائر الثّورة المنشقات عن القبيسيات” توجه انتقادات شديدة لآنسات التّنظيم.

لم تتعرض هذه الجماعة للمضايقات باستثناء الهجوم الذي شنته الجماعات السّلفية في الكويت والأردن وجماعة الأحباش في لبنان، أما في سوريا فقد سمح لها بالعمل العلني منذ عام 2006 بسبب ازدياد نفوذها وقوتها الاقتصادية، بشرط أن تنقل حلقات التدريس والاجتماعات السرّية من بيوت الآنسات إلى المساجد العامّة لوضعها تحت إشراف النّظام، والحد من نشاطها، إلا أنه ساهم في زيادة انتشارها حيث بلغ عدد أتباعها أكثر من 175 ألف امرأة، وتشير التّقديرات إلى أن “حلقات” الجماعة تضم نحو 25 ألف امرأة وفتاة في دمشق وضواحيها، وباتت الجماعة تسيطر على أكثر من 40 مسجداً في دمشق وريفها، وهذا ما يجعلها كبرى الجماعات الإسلامية في سوريا.

استطاعت منيرة القبيسي ممارسة الدّعوة الدّينية الإسلامية في مدارسها رغم الأوضاع المربكة وحالة المنع التي عاشتها سوريا في الثمانينات، وحققت نجاحاً باهرا وجذبت إليها الكثير من الفتيات

أدت خصوصية هذه الجماعة الغامضة إلى ظهور الكثير من الشّكوك والاتهامات حول عقيدتها وأفكارها، كممارستهن لسلوكيات وتصورات خاصة للإسلام بحرص وسرية وانعزال، وممارسة السحر وتحضير الجنّ، أما أكثرها رواجا فهي اعتبارهن طائفة صوفية متطرّفة وذلك لاشتهارهن بكثرة الأذكار والموالد والإنشاد والضرب بالدفّ، كما يؤاخذن على حالة الترهّب والعزوف عن الزواج وأن الكثيرات منهن مطلقات، وهذه ليست مصادفة، مع عدم وجود رهبانية في الإسلام، إلا أنه يمكن ردها إلى تحريم التفكير بالرجل والزواج والجنس، وطريقة اللباس والاستغناء عن الأنوثة، ما يعتبر تطرفا جديدا يسير عكس الفطرة الطّبيعية والبشرية. مهما كانت غايات هذه الجماعة فإن ما تقوم به سيترك أثره على المجتمعات في نقاط عدة:

1 - استخدامها للدّين الإسلامي لتحقيق مكاسب اقتصادية عبر تنمية وتطوير مشاريعها وأعمالها النّفعية.

2 - استخدام المدارس الدينية للتحكم في أفكار جيل جديد من الفتيات اللاتي يصبحن مريدات وتابعات خاضعات، ومن الفتيان الذين تقدم لهم الجماعة عن طريق نفوذها وعلاقاتها الواسعة مساعدات متعددة كالحصول على منح دراسية، أو عمل عن طريق جمعياتهن، وهذا يؤدي إلى خضوع الشّباب لهنّ اقتصادياً وسلطوياً.

3 - المساهمة في خلق ولاءات جديدة عبر السّيطرة على المرأة وتطويعها، وبالتّالي التّحكم في الأسرة والمجتمع وتحويله إلى مجتمع متدين بطريقة يشوبها الانغلاق.

4 - إمكانية انتقالهن للعمل السياسي، ففي أثناء الحراك السوري أغلبهن وقفن إلى جانب النّظام، ورغم رفض منيرة القبيسي ترشّح إحدى القبيسيّات في 2007 لمجلس الشعب كي لا يتهم التنظيم بممارسة العمل السياسي، إلا أن انتقالهن للعمل السياسي بات واضحا ويصبّ في صالح النّظام، وقد وصلت إحدى المريدات، فرح حمشو، إلى مجلس الشعب، وكانت أولى مطالبها منع الاختلاط بين الذكور والإناث في المدارس.

الجماعة التي ترعرعت في سوريا ولاقت قبولا من نظامها، تتابع انتشارها ونشر معتقداتها التي لم يعرف عنها شيء حيث يمنع كتابة أي معلومات داخلية عنها، وتمد سيطرتها على أجيال صاعدة في سوريا وخارجها لتكون لونا جديدا من ألوان التطرف.

كاتبة ورسامة سورية

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر