الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

العصر الخشبي

أناس يستسهلون الكلام ولا يحسبون للعواقب حسابا، يعتقدون أنها مجرّد كلمات، تشفي الغليل وتغيظ المختلفين، ولا يدركون أنها تمزقنا وتبعدنا عن بعضنا البعض.

العرب إياد بركات [نُشر في 2016/12/15، العدد: 10486، ص(24)]

نتخيل حقبة زمنية في تاريخ الإنسان كلها حجارة. نتخيل أسلافنا وهم يعيشون على أكوام من الحجارة، يسكنون في كهوف حجرية، وكل أدواتهم مصنوعة من الحجارة، في رقابهم يعلقون قلائد حجارة، الحجر سلاحهم، والحجر وسادتهم، وهو أثمن وأهم ما يملكون.

هذه الصورة المتخيلة، وغير الواقعية، رُسمت في عقولنا بسبب إطلاق العلماء تسمية ومصطلح “العصر الحجري” على تلك الحقبة الطويلة جدا من تاريخ البشرية. لم يكن هدف العلماء الخداع، أو تغيير الحقيقة، بل لتسهيل البحث وعملية الوصف والمعرفة بتقسيم التاريخ إلى حقب، كل واحدة لها اسم مختلف مثل العصر الحجري والعصر البرونزي وغيرهما من التسميات التي استعانوا بها لفهم التاريخ.

جاءت تسمية “العصر الحجري” مناسبة بسبب اكتشاف الكثير من الآثار الحجرية التي تعود إلى تلك الحقبة، ولكثرتها وانتشارها مكنت العلماء من دراسة رحلة التطور التي مرّ بها الإنسان.

تكرار استعمال هذا المصطلح، في المدارس والصحف، شكّل مخيلتنا عن ذلك الزمن، وساعدت العشرات من الأفلام السينمائية وأفلام الكرتون على رسم هذا التصور وتشكيل هذا الخيال الذي جعل من الحجر الأساس. كان يمكن وببساطة تسمية تلك الحقبة بالعصر الخشبي، لأن الإنسان في تلك الفترة كان أهم ما لديه هو الأخشاب بأنواعها، مادة متوافره بكثرة في أغلب الأماكن، خفيفة وسهلة الحمل والنقل، يمكن أن تطوف فوق الماء بكل ما تحمله لتصبح وسيلة نقل مناسبة أساسية، وقوية تصد الريح والمطر عن الإنسان.

كان الخشب بكل أنواعه وأحجامه وأشكاله المادة الطبيعية الأكثر استعمالا من قبل الإنسان، وبدونه لما استطاع البقاء والاستمرار. ولكن الخشب، وعلى عكس الحجر، يتحلل ويتعفن ويذوب مع مرور السنين ولا يبقى له أثر، خسر الخشب شرف تسمية عصر باسمه بينما انتصر الحجر لأن أثره باق رغم عوامل الطبيعة.

قد يشكك البعض في قوة الكلمات والمصطلحات وقدرتها على تكوين انطباعات تشكل الخيال عن الماضي والحاضر، وقد تغيّر المستقبل وخصوصا إن لم تصب التسمية جانب الحقيقة.

في عصر التواصل الاجتماعي، والذي يمكن تسميته بعصر الكلام، زمن فيضان المصطلحات التي تطلق دون تفكير ودون حساب، فوضى مرعبة من قذائف مصنوعة من كلمات تطلق عشوائيا ويرد عليها بالعشوائية نفسها. سلفي، وهابي، قومجي، داعشي، متجنح، منبطح، ممانع، رافضي، صفوي، ظلامي، متخلف، علماني، كافر، ماضوي، رجعي، ليبرالي، مرتزق، انتهازي، عميل، صهيوني، طائفي، مناطقي، متآمر، متعصب، إباحي، ماسوني، إرهابي، إلخ.

يشعر المرء، في هذا الزمن، وكأنه علق وسط ساحة حرب مصطلحات ضبابية المعاني يتقاذفها أناس من كل اتجاه، لا ناقة لهم فيها ولا جمل، سوى عدم الرضا والخوف والرعب من الآخر المختلف ولو قليلا.

أناس يستسهلون الكلام ولا يحسبون للعواقب حسابا، يعتقدون أنها مجرّد كلمات، تشفي الغليل وتغيظ المختلفين، ولا يدركون أنها تمزقنا وتبعدنا عن بعضنا البعض، وتجعل من فهم الآخر أمرا شبه مستحيل.

إياد بركات

:: مقالات أخرى لـ إياد بركات

إياد بركات

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر