الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

بين حلب وبرلين ضاع الحلم

هل تجرؤ أن تقول لابنك بعد اليوم: لا تخف، أنت آمن، وأنا هنا معك وأحميك بعد أن لامس الإرهاب مخيلته وأحلامه وسعادته؟ هل تصر على أخذه في جولة كهذه رغم كل شيء؟

العرب لمياء المقدم [نُشر في 2016/12/22، العدد: 10493، ص(21)]

على مدى أسبوع كامل لم يتوقف ابني عن السؤال عن حلب، مرة يسأل إذا ما كان هناك سكان عالقون في المدينة وما هو مصيرهم؟ ومرة عن الذين يتقاتلون، من هم ومتى ينتهون من القتال؟ ومرة يشبه الصور الرمادية للمباني المتهدمة بصور الحرب العالمية الثانية ويسأل هل يمكن وصف ما يحدث بالحرب الثالثة؟ سأل أيضا إذا سبق لي أو لوالده أن زرنا حلب ولأي غرض؟ وكيف وجدنا المدنية؟ وهل تشبه لاهاي التي نقيم فيها في جانب من جوانبها؟ وغيرها من الأسئلة التي لا تتوقف مخيلته الصغيرة عن إنتاجها في كل لحظة، في محاولة لفهم ما يجري هناك.

ظل على هذا الحال لفترة طويلة حتى خف إلحاح الأسئلة تدريجيا ثم تلاشى نهائيا. في الأثناء تنفست أنا الصعداء بعد أسبوع كامل من محاولة الإجابة على أسئلة تبدو في ظاهرها سهلة، لكنها صعبة في باطنها، خصوصا أن الغرض منها استعادة الأمن الداخلي.

لم يكد موضوع حلب ينتهي حتى جاء ما هو أسوأ وأكثر تهديدا. كنا قد قررنا قضاء عطلة الكريسماس في برلين، وهاهم يعلنون عن هجوم إرهابي في برلين ومقتل ما يزيد عن عشرة أشخاص وإصابة عشرات آخرين، بالضبط في الأماكن التي كنا ننوي زيارتها، وقريبا جدا من حديقة الحيوانات التي أنفقنا نصف ساعة كاملة نتفرج في صورها على الإنترنت ونمني النفس بقضاء وقت ممتع فيها.

وإذا كانت حلب بعيدة، ولا تتعدى كونها مدينة منكوبة في جهة ما من هذا العالم الواسع الممتد والمليء بالمآسي، فإن برلين على بعد خطوتين وحلم. الحقيقة أنني بت أشفق على هؤلاء الأطفال من كل هذا الخراب، من كل هذه الأسئلة، هذا الخوف، والعنف الذي يحاصر أحلامهم والذي يبدو كما لو أنه يقترب منهم شيئا فشيئا، إذ كيف يمكن لمخيلة طفل أن تستوعب أن هجوما وقع قريبا من الحيوان الذي كان ينوي أن يزوره ويلاطفه؟ كيف تبرر له ما يسد عليه الطريق فجأة ويقف عائقا أما رغبة من رغباته الطفولية؟

هل تجرؤ أن تقول لابنك بعد اليوم: لا تخف، أنت آمن، وأنا هنا معك وأحميك بعد أن لامس الإرهاب مخيلته وأحلامه وسعادته؟ هل تصر على أخذه في جولة كهذه رغم كل شيء؟ وإذا فعلت هل تضمن أن يكون سعيدا ومنطلقا ويشعر بالأمان؟

صحيح أننا لسنا في حلب حيث الأطفال يتعرضون للحرب والموت كل يوم، تتهدم فوق رؤوسهم المباني، يخرجون من تحت الأنقاض أمواتا أو يتامى ومشردين، صحيح أننا في وضع أفضل من هؤلاء، فأطفالنا يذهبون كل يوم إلى المدارس، ويلعبون مع أقرانهم، ويخططون للعطل والفسحات، لكن هل يعني هذا حقا أن الخوف والقلق وعدم الأمان لم يصل إلى أطفال العالم أينما كانوا، ولم يحول أحلامهم الصغيرة إلى كوابيس؟

أتساءل كل يوم بيني وبين نفسي عن مخلفات ما رأوه وسمعوه وعايشوه من دمار وموت عليهم، عن الخوف الذي سكنهم صغارا، وعشش في قلوبهم كما تعشش الأمراض المزمنة، كيف سيشفون منه؟ عن ذاكرتهم التي تلوثت بمشاهد القتل والموت، عن الفرح الذي انقلب إلى مرارة، والأحلام التي ارتبطت بالمآسي والآلام، كيف سيعالجون كل هذا؟ وبأي وسيلة؟ عن ملامح الأجيال القادمة، وعن العالم الذي بدأ مشوها وقبيحا وقاسيا معهم، كيف ومتى سيتصالحون معه؟ هل يغفرون وينسون ويتجاوزون؟

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

لمياء المقدم

:: مقالات أخرى لـ لمياء المقدم

لمياء المقدم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر