الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

مسخن طائفي

الطائفية تجتاح منطقتنا في غير موسمها، ربما كانت تصلح في أزمان سابقة، عندما كان عدد الناس قليلا وتواصلهم أقل ويعيشون في عزلة نسبية بعيدين عن بعضهم البعض.

العرب إياد بركات [نُشر في 2016/12/22، العدد: 10493، ص(24)]

تشتهر المنطقة التي أنتمي إليها من فلسطين بأكلة عريقة تسمى المْسَخَن، وهي عبارة عن أرغفة من خبز التنور المرصوفة فوق بعضها البعض مع الدجاج المطبوخ بكميات كبيرة من البصل والسُماك وزيت الزيتون والصنور واللوز المحمص بالزيت.

علمت، منذ سنوات قليلة، من خلال فيلم وثائقي بريطاني، أن طبق المسخن كان من الأطباق التي أثرت عميقا في المطبخ الأوروبي، وخصوصا الفرنسي والإيطالي، عندما أقبل على تناوله الصليبيون الذين سكنوا فلسطين، لم ينتقل إلى أوروبا كما هو لأن أغلب مكوناته تخص فقط منطقة محددة من ريف فلسطين، ولكنه تحول وعاد إلى بلده بعد أن سافر إلى كل أرجاء المعمورة على هيئة بيتزا. كان ذلك البرنامج الوثائقي واحدا من سلسلة البرامج الطويلة الممولة من الاتحاد الأوروبي بضع سنوات بعد أحداث 11 سبتمبر لتوعية المجتمع البريطاني، وليعرف بأفضال العرب والمسلمين على أوروبا في محاولة لتخفيف وطأة العداء والعنصرية ضدهم.

المسخن طبق قديم جدا، وقد يكون أكثر قدما من أغلب الديانات المنتشرة حاليا، وبالتأكيد أقدم من أغلب الطوائف الحالية، حافظ على شكله القديم وانتشر بأشكال وهيئات أخرى. يحضر عادة في بداية فصل الشتاء بعد موسم عصر الزيتون مباشرة، وهذا مناسب لأنه يحتاج إلى كميات كبيرة من زيت الزيتون. افترضت أن السبب الوحيد لتوقيت الموسم يعود لتوفر الزيت الجديد، لكن اكتشفت سببا آخر لتوقيت الموسم.

كنت في زيارة لأسرتي في بداية فصل الصيف، طلب ضيوفي القادمون من خارج البلد أن نقدم لهم المسخن، رحب الوالد والوالدة بذلك ولكن تحفظا على التوقيت، فهذا ليس موسم المسخن لعدم توفر بصل ناشف قديم، فكل ما يتوفر في السوق من محصول العام الحالي الذي لم ينشف بعد ولا ينفع للمسخن لأنه يذوب ولا يبقى متماسكاً بعد الطبخ، ذهبت أنا والوالد في رحلة بحث عن بصل قديم ناشف حتى وجدناه في أحد المحلات.

الطائفية تجتاح منطقتنا في غير موسمها، ربما كانت تصلح في أزمان سابقة، عندما كان عدد الناس قليلا وتواصلهم أقل ويعيشون في عزلة نسبية بعيدين عن بعضهم البعض. هذا العصر غير مناسب للطائفية بكل أشكالها، تحضيرها خطر وهضمها أصعب. الطائفية تنتشر من خلال شبكات التواصل والإعلام التي تجعلنا نرى ونعرف كل شيء، الطقوس والأفكار التي كانت تُمارس في جيتوات التاريخ القديم المنعزلة تظهر نشازا وغرائبية عندما تبث مباشرة على العالم في هذا العصر وتأتي بنتيجة عكسية، ففي الماضي كانت هذه الطقوس تعزز التماسك الداخلي وتساعد على الصمود في وجه التمييز الخارجي، أما الآن أصبحت تعمق الاختلاف وتنشر الكراهية وتمزق المجتمعات.

لم يتخيل الأجداد أن أحد أطباقهم التقليدية سيؤثر إيجابيا على سكان قارة أخرى ولم يكترثوا، ولكن في هذا العصر، يجب علينا الانتباه لتأثير نشر تقاليدنا الطائفية على الآخرين، ولنحاول أن نتخيل كيف ستعود إلينا بعد السفر، وليس كل قديم يستحق الحفاظ عليه مثل المسخن.

إياد بركات

:: مقالات أخرى لـ إياد بركات

إياد بركات

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر