الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

تونس.. معضلة 'الإرهاب العائد'

  • عودة فلول العصابات الإرهابية بعد حصارها في العديد من المواقع وخاصة في ظل تغير المعطيات الجيوسياسية الجديدة، تشكل أكثر من معضلة على الأصعدة الأمنية والمجتمعية والسياسية والقضائية في البلدان التي انطلق منها هؤلاء المقاتلون (مثل تونس ومصر) بعد أن تم استقطابهم وتجنيدهم، ولا يمكن في هذه القضية الحديث بمصطلحات ومبررات أخلاقية أو تربوية من قبيل “التوبة” و”صحوة الضمير” و”إعادة إدماج”، إذ لا أمل في خلط الفاسد بالصالح أو التعويل على صحوة ضمير من لا ضمير له أصلا، كما أثبتت تجارب سابقة في العديد من المناطق.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/12/28، العدد: 10497، ص(13)]

تونس التي انطلق منها مقاتلون هي أيضا ضحية للإرهاب

لا وجود لمراجعات فكرية للإرهابيين، ذلك أنّ المراجعات تعود أساسا وحصرا وقصرا لمن يمتلك القدرة على التفكيك والتقعيد والنقد والتأصيل والنقض والإبرام، وهي ارتسامات بعيدة عن كافة التكفيريين الراهنين الذين استحالوا اليوم أداة تنفيذية قريبة من مفهوم الارتزاق لثنائية “الدمغجة والأدلجة”.

لا وجود أيضا لـ”توبة” للإرهابيين، فالتوبة تكون من الأخطاء والزلات بين الإنسان والخالق. أمّا الإرهاب فهو انزلاق خطير يعادي عبره الإرهابي الوطن والمواطنين، ومفاهيم المواطنة وقيم التعايش المشترك ومبادئ الاجتماع البشريّ، وكثيرا ما يعبّر عنه بإراقة الدماء وتعميم الدمار، ورفع رايات وشعارات تعبّر عن فكرتي “اللاوطن” و”اللامواطنة”.

كما لا وجود لصحوة ضمير للإرهابيين، لا فقط لأن رصاصهم خرّب جسد الإنسان والمكان والزمان ولكن أيضا لأنّ الضمائر مخوّل لها الانتكاس كما الانتهاض.

فقط، المحاكمة العادلة القائمة على التعامل معهم كمجرمي حرب ووفق قانون الإرهاب قادرة على استيفاء الجانب الأهم من القضية، أمّا إعادة إحياء الأنسنة في “الإنسان الكيان” الإرهابي استنادا إلى الزوايا الثقافية والفكرية والاجتماعية، فتلك قضية ثانية بالإمكان طرحها في مرحلة لاحقة عقب تحييد الخطر الإرهابيّ.

اليوم، تعيش تونس على وقع “خطاب ناعم” و”نصف غصن زيتون” يقدّمه الفاعلون الرسميون للإرهابيين تأهبا لعودتهم من بؤر التوتّر بعد أن انخرط الفاعل الرسمي ممثلا في الترويكا الحاكمة سابقا، في تحويل الآلاف من الشباب التونسي إلى حطب للمحرقة في سوريا والعراق وليبيا أيضا.

تصريح راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة عن “حتمية” عودة الإرهابيين إلى تونس، والذي سبقه تصريح عن “الإسلام الغاضب” في إشارة إلى الظاهرة الداعشية – وكأنها جزء من الإسلام وليست بخارجة عنه- تزامن مع تأكيد وزارة الداخلية التونسية على عودة 800 إرهابي من بؤر التوتّر في انتظار الآلاف من الباقين، وهو الأمر الذي يثبت مصداقية فرضيّة أنّ تصريحات الرئيس السبسي والغنوشي تصبّ في خانة “التطبيع مع الحالة الموجودة” والإعداد النفسي الشعبي لموسم هجرة الإرهابيين المتبقين.

الإرهابيون هم "ذكر نحل وظيفي" في حقل من الحسابات تتغير مواقعهم بتغير الفاعل الدولي، وتبدل الثقل الإقليمي

من غير الواضح إلى حين كتابة هذه الأسطر طريقة عودة الإرهابيين إلى تونس. هل ستكون طوعيّة على طريقة الجماعة المقاتلة الليبية حيث أبرم المقاتلون الليبيون على جبهات الشيشان وأفغانستان اتفاقات رسمية مع نظام القذافي سرعان ما نقضوها بمجرّد اندلاع الأزمة في 2011، أم أنها ستكون طوعية تحت عناوين المراجعات الدينية العميقة على شاكلة الجماعة الإسلامية في مصر والتي أفضت في الأخير إلى اغتيال الرئيس أنور السادات ووضع البلاد على فوهة البركان؟

أم أنّ الأمر سيكون عبر طريقة التسلّم المباشر للإرهابيين القابعين في سجون سوريا بالخصوص، وهو ما قد تعمل وجوه سياسية قريبة من السبسي على الإعداد له خلال الزيارة المرتقبة للسياسي محسن مرزوق إلى دمشق للقاء الرئيس بشار الأسد؟

من الواضح أنّ الحكومة التي لا تمتلك إلى الآن على الأقل الأجوبة النهائية والجاهزة لكل هذه الاستفسارات القائمة، تعيش اليوم على وقع الإكراهات والضغوط الخارجية، خصوصا وأنّ السياق الدولي، الحسم العسكري في حلب، تغيير الموقف السياسي والاستراتيجي في تركيا، وصول ترامب إلى البيت الأبيض، الأحداث الإرهابية في برلين.. كلها عوامل صارت اليوم تصبّ في خانة تضييق الخناق على الإرهابيين وإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.

من الواضح أيضا أنّ تسوية شاملة في الشرق الأوسط بدأت خيوطها البكر في “إعلان موسكو” وستعرف في كازاخستان “حلقاتها الأهمّ، وهي تسوية تفرض عودة الإرهابيين إلى بلدانهم بعد أن أتموا نصف مهمّة استراتيجية للغرب، حيث أضعفوا المؤسسة العسكرية في سوريا وأدخلوا الشرق الأوسط في متاهات الطائفية والمذهبية وخرّبوا البنيان الحضاري وحوّلوا سوريا إلى ملعب لإيران وروسيا، ولكنهم فشلوا في التدمير الشامل للمؤسسات الرسمية وفي تقويض أسس التعايش المجتمعي في الشرق الأوسط الذي يحتاج إلى ترميم حقيقيّ.

هكذا هم الإٍرهابيون، “ذكر نحل وظيفي” في حقل من الحسابات الجيواستراتيجية، تتغيّر مواقعهم بتغير الفاعل الدولي، وتستبدل مراكزهم بتبدّل الثقل الإقليمي، بنادق للإيجار وللتسويغ للوكيل تارة وللأصيل في أطوار أخرى، ورصاصهم – بلا بوصلة ولا ميثاق- يدرك في كل مرة قلب الأمة وقالبها، ويصنع في كل مرة أتراح الوطن وفواجعه.

هكذا هم الإرهابيون، يتدفقون بقرار دولي وينحسرون بقرار ثان، وينسحبون بثالث وينقضون برابع، تجمعهم الأدلجة والدمغجة والقرار الدولي، وتفرقهم الغنائم والهزائم وتغيير الخرائط الاستراتيجية.

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر