الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

روسيا تسابق الزمن في سوريا

القرار الروسي بالانتقال إلى العملية السياسية كان بمثابة الصفعة التي وجهت لمحور المقاومة والممانعة الذي كان يعد العدة للانقضاض على مدينة أخرى لتوسيع مشروعه الاستيطاني.

العرب ثائر الزعزوع [نُشر في 2016/12/29، العدد: 10498، ص(8)]

تبدو موسكو، في سباق جاد مع الزمن، أكثر من أي وقت مضى، من أجل إنجاز ما يمكنها إنجازه في الملف السوري الذي تتولى مسؤوليته، بل إنها اللاعب الفعلي الوحيد فيه، وذلك قبل أن تكون مضطرة لإعادة ترتيب الأمور من جديد مع تولي الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب منصبه. فهو، وكما تشير تصريحاته، ورغم موافقته المبدئية على السياسة الروسية في سوريا، فإنه لن يقبل بأن يكون متفرجا من بعيد، ولا بد أن يؤدي تدخله إلى إفساد بعض خطط موسكو التي رسمتها بعناية منذ بداية تدخلها.

فبعد أن توقع كثيرون ومن بينهم حلفاء روسيا المباشرون على الأرض، أن تمتد العمليات العسكرية لتشمل مناطق أخرى، في أعقاب المجزرة الكبرى التي ارتكبت في شرقي حلب، ثم تهجير ساكنيها، وتحول الأحياء الشرقية إلى مدينة أشباح تجوب شوارعها عناصر الميليشيات الطائفية الموالية لإيران وقوات نظام دمشق لتنهب ما خلفه المهجّرون، جاء القرار الروسي بالانتقال إلى العملية السياسية بمثابة الصفعة التي وُجّهت لمحور المقاومة والممانعة الذي كان يعدّ العدة للانقضاض على مدينة أخرى لتوسيع مشروعه الاستيطاني.

فتراجعت إيران عن تصريحاتها التي كانت تنذر بأن القتال لن ينتهي قريبا، لترحب ودون سابق إنذار بحل سياسي، بينما كان نظام دمشق يراقب كعادته وينتظر ما يتلقاه من أوامر وتوجيهات عبر مندوبين عسكريين أو دبلوماسيين روس وإيرانيين، وهو ما لم يخفه رأس النظام نفسه الذي قال حين سئل عن الخطوة القادمة بعد حلب، إنه ينتظر التشاور مع “حلفائه”.

الكلام السابق لا يعني أن موسكو تحولت، بشكل مفاجئ، إلى صانعة للسلام في المنطقة، بعد العشرات من المجازر التي ارتكبتها بحق السوريين، وقد اعترفت وزارة الدفاع الروسية بأن من قتلتهم منذ بدء تدخلها في سوريا قد تجاوز 35 ألفا من “الإرهابيين”، طبعا، دون أن ننسى أن المدارس والمساجد والمستشفيات وفرق الدفاع المدني، وفق التوصيف الروسي، هي “خلايا إرهابية”.

إلا أن تورطها في المذبحة السورية وعدم قدرتها على الحسم لصالح نظام دمشق، مع الاستنزاف المستمر لقواها العسكرية والبشرية، رغم المبالغة في تصوير ما تم في حلب على أنه النهاية، كل ذلك تدركه موسكو، كما تدرك أن حلب بداية لورطة أكبر قد لا تكون قادرة على احتمالها، فهي قوة احتلال على الأرض وعليها أن تتوقع مقاومة، ولن يتأخر الوقت قبل أن تبدأ بإرسال توابيت قتلاها إلى ذويهم كما تفعل إيران منذ سنوات.

ولا بد أن الذاكرة الروسية تختزن ذكريات سيئة عما تعرّض له جيشها في أفغانستان، دون أن يعني ذلك أن الحالة السورية شبيهة بالحالة الأفغانية، إلا أن الإدارة الروسية الحالية تكاد تكون متطابقة من حيث الشكل والمضمون مع الإدارة السوفيتية إبان التدخل السوفيتي في أفغانستان.

ومع احتمال أن يعاد خلط الأوراق، بعد رحيل إدارة الرئيس باراك أوباما المعطّلة، وتعود إلى الملف عواصم مؤثرة في الشأن السوري، فإنه من الأنسب لإدارة الرئيس الروسي أن تظل قابضة على الأمور عبر تفصيل اتفاق سلام يناسبها، ويحقق لها الأهداف التي كانت سببا في تدخلها عسكريا في سوريا وليس من بينها بطبيعة الحال محاربة الإرهاب كما لا تنفك تزعم.

ويحافظ، ذلك الاتفاق في حال تم التوصل إليه، على مصالح كل من تركيا وإيران شريكي موسكو في بيانها الذي رسم تصورا متكاملا لشكل “سوريا المستقبل”، وفي التحضير لمؤتمر أستانة بين المعارضة والنظام والمزمع عقده منتصف الشهر المقبل، على الأقل ريثما تنجلي نوايا إدارة الرئيس العتيد في البيت الأبيض، وفيما إذا كان سوف يسمح بتزويد بعض فصائل المعارضة السورية بمضادات للطيران، الأمر الذي سيحدث فارقا كبيرا في المعادلة السورية، وهو كفيل بوضع موسكو في قلب الجحيم السوري بعد أن كانت تساهم في إشعاله من الأعلى فقط.

كاتب سوري

ثائر الزعزوع

:: مقالات أخرى لـ ثائر الزعزوع

ثائر الزعزوع

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر