الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

العام يوشك أن ينتهي

العالم يوشك على النهاية ككل عام، ككل شيء، ككل بداية، ولا بد أنه سيأخذ معه الكثير من أحزاننا، لا بد أن أشياء كثيرة ستنتهي معه.

العرب لمياء المقدم [نُشر في 2016/12/29، العدد: 10498، ص(21)]

نحن على أعتاب عام جديد، ومرة أخرى لا أحد يعرف متى وصلنا إلى هذه العتبة وعلى أي شكل، لكننا جميعا نعرف كم كانت الرحلة شاقة للبعض ومستحيلة للبعض الآخر.

عام 2016 لم يكن سهلا، شهدنا حروبا ودمارا منقطعي النظير، وعشنا مآسي المشردين من ديارهم والمختنقين تحت الأنقاض، والفارين من الجحيم، وحاصرنا الإرهاب حتى كاد يصل أمام بيوتنا ويسد علينا المنافذ. في أوروبا يعاني المهاجرون من وضع لم يسبق أن عرفوه: بطالة وتهميش، ومصير معتم، في أميركا اليمين يفوز، وفي عالمنا العربي تكميم للحريات ومحاكمات للكتاب واغتيال للفنانين.. إنه عام الكوارث بلا منازع!

العالم ليس على ما يرام، الحياة صعبة والجميع يلهث ليتنفس. هل من حقنا بعد كل هذا أن نحلم بعام جديد ونتفاءل ونهلل لقدومه؟

ليس الأمر بيدنا فالحياة مهما بلغت من بشاعة تستوجب هذا الأمل والتطلع إلى آخر النفق، لأن، ببساطة، السنين دول، والعام الذي يأخذ من طاقتنا وروحنا وعزيمتنا لن يستمر دهرا، لا بد من عام جديد يقلب الموازين ويغير الاتجاهات. فلنتفاءل إذن.

لن يكلفنا التفاؤل الكثير، وهو أرخص بكثير من أدوية الاكتئاب والمهدئات والكحول وكل ما من شأنه أن يلهينا ويخدرنا عن هذا الواقع.

لنتفاءل بالقدر القليل الباقي فينا من رغبة في الحياة وإصرار على السعادة.

يبدو التفاؤل تمرينا صعبا بدوره لكنه ليس مستحيلا، يحتاج إلى وقفة مع النفس أمام المرآة والتطلع في أعيننا ومواجهة مخاوفنا وقلقنا وحزننا داخلها. يحتاج أيضا إلى أن نظل واقفين على الأرض وأقدامنا ترفع أجسادنا المثقلة بالهموم والمآسي. يحتاج بالأخص إلى تأمل وصلاة عميقة مع الروح، نذهب فيها بعيدا داخل أنفسنا، لنخرج منها ما يزعجها ويراكم أشجانها.

التفاؤل تمرين مرهق في زمننا الحالي، ورفاهية غالية ليست في متناول الجميع، مع ذلك يجب أن نحاول.

العالم يوشك على النهاية ككل عام، ككل شيء، ككل بداية، ولا بد أنه سيأخذ معه الكثير من أحزاننا، لا بد أن أشياء كثيرة ستنتهي معه. هذا كل ما نستطيع أن نفعله الآن: أن نطلب من السنة الجديدة أن تكون أكثر رحمة بنا، ومن الوقت ألا يقطع كالسكين.

في نهاية كل عام أراجع إنجازاتي، أضع أرباحي وخساراتي أمامي وأحاول أن أخرج بنفسي سالمة من بينها، ليس مهما أن نخسر، فالخسارة جزء من اللعبة وشرط رئيس فيها، المهم أن نربح أيضا، وأن نبتهج لأرباحنا مهما صغرت، مهما كانت ضئيلة، فالربح مهمة معقدة جدا هذه الأيام.

لنتفاءل ونبتهج لأرباحنا الصغيرة إذن، هذا في حد ذاته مكسب عظيم.

العام يوشك أن ينتهي، وأعرف أنه لن يأخذ معه التجاعيد الرقيقة التي ظهرت العام الماضي حول شفتي وعيني، ولن يأخذ معه الشعرات البيضاء التي انتشرت في مقدمة رأسي وأصبحت ظاهرة للعيان، ولن يعيد لي خفتي ورشاقتي التي تنحدر تدريجيا نحو الأسفل، ولا بسمتي الممتلئة وأسناني البيضاء اللامعة، أعرف أنه لن يذهب بالكثير مما يقلقني ويسبب لي ألما وحزنا، سواء في حياتي الشخصية أو بسبب ما يحصل في هذا العالم الممتد من قبح، لكنه سيذهب على أي حال، هناك ورقة ستطوى وأخرى ستفتح، زمن يولي وزمن يهل، انتهت دورة كاملة حول الشمس، وستبدأ دورة جديدة، فاربطوا أحزمتكم جيدا وتمسكوا بالمحبة والتفاؤل، كل عام وأنتم بألف خير.

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

لمياء المقدم

:: مقالات أخرى لـ لمياء المقدم

:: اختيارات المحرر