الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

تونس.. في التطبيع مرة أخرى

الكيان الصهيوني لا يمثل بالنسبة إلى الإسلام السياسي مشكلة بقدر ما يمثله المسلمون الذين يثيرون 'غضبـه'، إضـافة إلـى أن عـدم التجـريم دستوريا يبقي لحـزبه حرية الاختيار إذا هو استرجع السلطة ذات يوم.

العرب د. إبراهيم بن مراد [نُشر في 2017/01/05، العدد: 10503، ص(9)]

يجد أصحاب “المواقف الليّنة” أو “الهَشَّة” – وهم منْ أصحابِ المصَالح خَاصَّة – الفُرصَ في الغالب سانحة ليبرّروا ما لا يقبل التّبرير ويسوِّغوا ما يرون في تحقُّقِه مصلحةً لهم وإن كان مُضادًّا لمصالح البلاد.

ومن هذه المواقف التي رأيناها ومازلنا نراها هذه الأيّام موقِفانِ كنا عرضنا أولهما في الورقة السابقة ونكتفي بالإشارة إليه هنا، ونقف عند ثانيهما في هذه الورقة: والأوّل هو ما يذهب إليه بعضهم من تبرير لعودة الجهاديّين الإرهابيّين إلى أرض الوطن باسم الفصل 25 من الدستور، وهم يروْن في هذا الفصل حجّة دامغة ودليلا قاطعا على أنَّ مِنْ حقّ هؤلاء أن يرجعوا إلى البلاد بعد أنْ خَرجُوا منْها وعنْها وعن قوانينها، وكأنّ الدّستورَ لا يقبلُ التّعديلَ إذا كانت مصالُح البلاد مهدَّدة بسبب تطبيقِ بعض فصوله وخاصّة إذا تبيّنت الغايةُ من وضع بعض الفصول فيه بعد أن كانت خفيّة. فليسَ من الصَّعب تغيير فصل من الدّستور وخاصّة إذا كانت مصلحةُ البلادِ تقتضي ذلك، وليس من السّهل قبولُ عودة جحافلَ من الجهاديين الذين خَبِروا السلاحَ واستعمالَه واعتادوا ارتكاب مختلف الفظائع المحرّمة دينيّا ووضعيّا في حق أناس أبرياءَ، بعْدَ أنْ حَلَّل لهم بعضُ الدُّعاةِ ذلك.

والموقف الثّاني هو الموقف من التّطبيع مع إسرائيل. والتّطبيعُ مصطلحٌ سياسيّ حديثٌ هو مصدرٌ لفعل مُولّدٌ بالمجاز هو “طَبَّعَ” للدّلالة على إرجاع ما خرج عن طبيعة الأشْياء إلى طبيعته مثل العلاقات بين الناس إذ المفروض أن تكون طبيعيّة قائمةً على التّحابّ والتّعاون؛ والتّطبيع إذن هو أنْ تصبح الصِّلاتُ أو العلاقات طبيعيّة بين اثنين بعد خصومة أو عِدَاء بينهما، ويكون ذلك في نطاق صُلْحٍ بعدَ أن يعترفَ المذنبُ منهما بذنبِه ويُرْجِعَ المعتدِي منهما ما اعتدى عليْه من حقّ الآخر. أما إذا فُرض الصّلح بالقوّة وأُجْبرَ عليه أحدُ الطّرفين إجبارا فإنّ الحاصل ليس تطبيعا بل هو إرْهابٌ. وما وقع بين العربِ – وخاصّة مع الفلسطينيين – والإسرائيليّينَ يُعدُّ إرهابا وليس تطبيعا، لأنّ المذنب لم يعترفْ بذنبه ولم يُرْجِعْ لأصحاب الحقِّ المسْلوبِ الحقّ الذي اعتدَى عليه واغْتَصَبَه، بل هو مُتَمَاد في سلْب الحقوق والاعتداء على أصحابها، وغايتُه مما يقومُ به معروفَةٌ: هي أن يستوليَ بالتدريج على الأرض الفلسطينيّة كلّها ويفرض أمرا واقعا جديدا عليها.

وأنتَ لو نظرتَ في صحافة هذا العدوّ واستمعتَ إلى خطاب قادَته وخاصّة من السياسيّين لعلمتَ أنّ الرغبة في العُدوان مازالتْ غالبة عليه وأنّ نيّةَ الاستيلاء على حقوق الغيْر مازالت قائمةً. ومن أهمّ الأدلة على ذلك ما لحق الرئيسَ الأميركي باراك أوباما هذه الأيامَ من سبَاب الإسرائيليّين وشتائمهم له لأنّه لمْ يرْفع الفيتُو في مجلس الأمن يوم 23 ديسمبر الماضي على قرار يدينُ الاستيطانَ بل أمسكَ عن التّصويت! فقد كانَ عليه في نظرهم أن يسْمَح لهم بمواصلة الاستيطانِ – أي افتكاكِ الأرض من أصحابها والاعتداء عليهم – وأن يَسْكُتَ عن ذلك؛ ثم كان التنديد على أشدّه بوزيرِ الخارجية الأميركي جون كيري الذي خَصّص خطابا مطوّلا يوم 28 ديسمبر في واشنطن للصّراع بين الإسرائيليين والفلسطينِيّين، وانتقد الاستيطانَ ودافعَ عن الموقفِ الأميركي بعدم رفع الفيتو في مجلس الأمن، وأكّدَ ضرورة قيام دولتيْن مستقلّتين فلسطينية وإسرائيلية.

وقد حَدَثَ هذا السبابُ والشتم والتّنديدُ رغم أنّ المـوقفَ الأميركي في الـوقتِ الذي ظهرَ فيه ليس بذي أثر على السّياسة الأميركيّة لأنّ أيّام الرئيس ووزير خارجيّتِه في السّلطة صارتْ معدودة. ثم ينبغي أن نُقِرَّ بأنّ السُّلَطَ الأميركية هي السببُ المباشرُ لاسْتقواء الإسرائيليّين على العربِ جميعا، إذ هم الذين يدْعَمونهم ويُدافعون عنهم ويموّلونهم ويسلّحونهم ويسْكتون عنْ جرائمهم ويسْمَحون لهم بالتّمادي في إرهابهم ويختلقُون لهم الأعْذَارَ على ما يَجْتَرِمُونَ. وقد أثار موقفُ إدارة أوباما من قرار مجلسِ الأمن سخطَ الرئيس الأميركيّ المنتَخبِ الجديدِ فوعدَ بأنْ يمحوَ آثارَه. فالأميركيّون منْحازون انحيازا معْلنا للإسرائيليّين، ومن أسبابِ الانحيازِ ما هو أيديولوجيّ دينيّ وخاصة عندَ “المحافظين الجدُد” منهم، لما بـين اليهـوديّة والمسيحيّة من القُرْبَى؛ وقد يكون منْ هذه الأسباب أيضا ما بين المجتمعيْن والشّعبين من التّشابه الكبيرِ في النشـأة إذ أسَّسَتْ كليْهمـا جمـاعاتٌ وَافدَةٌ غَازِيَةٌ على أنقاض مجتمَعٍ آخر يكوّنُهُ شعْـبٌ آخرُ أصيلٌ قد أرْهِبَ إرْهابا وأخْرجَ منْ دياره قهرا واغتصابا. فهلْ يمكنُ الحديثُ عن “تطبيع” حقيقيّ في ظل ظروف مثل هذه الظروف، وعن إقـامة عـلاقاتٍ طبيعيّة بينَ مُعْتَدٍ مُعْتَدٍّ بقوتِه وقُوّةِ مَنْ يَحْميه، ومُعْتَدًى عليه مغلوب على أمره وليسَ له من حَام، تحتَ أنظار عالم متقلِّبٍ يصفُ نفسَه بالحُرٍّ؟

مثلُ هذا التّساؤل ينبغي أن يثيره التونسيّون ذوو “المواقف الليّنة الهشّة” من التطبيع مع إسرائيل. وقد أثيرتْ مسألةُ التّطبيع هذه في المجلس التأسيسيّ أثناءَ مناقشة فصول الدّستور عندما طالبَ عدد من النّواب بإقرار “تجريم التطبيع” مع الكيان الصهيونيّ في الدّستور فلقيَ الطلبُ معارضةً أبْدتْها الأغلبيّة “الترويْكيّة” عندئذ وخاصّة نوّابَ النهضة الذين رفَضوا التّصويتَ على القانون، ثم أثيرتْ هذه الأيامَ بعدَ اغتيالِ محمد الزواري، ومازال أصحابُ المواقف اللينة الهشّة متردّدين إلى اليوم. وآخرُ ما سمعناه كان موْقفَ علي العريّض نائبِ رئيس حركة النهضة على تلفزيون “الحوار التونسي”، وقد برّر موقفَه بأنّ سنّ قانون لتجريم التّطبيع يُعدّ مخالفا للقانون الدوليّ. ولا شكّ أنّ في موقفه هذا دفاعا عن المصالح السياسيّة لحزبه الذي يسعى إلى تلميع صورته وخَاصّة لدى قوى الحلّ والعَقْدِ السياسيّة في الغرب. ثم إن الكيان الصهيوني لا يمثّل بالنّسبة إلى الإسلام السياسيّ مشْكِلة بقدْر ما يمثّله المسلمون الذين يثيرون “غَضَبَهُ”، إضافةً إلى أنّ عدم التجـريم دستوريّا يُبْقِي لحزبِه حرّيّة الاختيارِ إذا هو استرجعَ السّلطةَ ذاتَ يوم. وليس تَهَادُنُ الجماعة مع الإسرائيليين ولوبيّاتهم والميلُ إلى التطبيع معهم في الحقيقـة جديديْن، لأننـا نجد لهمـا آثارا في ما قامتْ به منذُ سنة 2011 من تحرّك في اتّجاه التّطبيع مثل زيارة معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط بواشنطن واستقبالِها بتونس بعضَ الوجُوه الأميركيّة والفرنسيّةّ اليهوديّة المعروفة بدفاعِها عن إسرائيل.

على أنّ القبولَ بالتطبيع يُعدّ مناقضا لمصالح البلاد مِنْ وجوهٍ: أوّلها أنّ إسرائيل قد انتهكتْ حرمةَ البلاد التونسيّة أكثرَ من مرّة سواءٌ باغتيالاتها وقنابلها أو بإرسال جواسِيسها ومخبريها، وبذلك أصبحتْ عَدُوّا مُعْلَنا لنا؛ وثانيها أنّها مُنتهِكةٌ للقانون الدّوليّ انتهاكا صريحا وخاصة في تعاملها مع الفلسطينيين تعامُلا بغيضا قائما على عنْصريّة مقِيتَة، وهذا يوجب علينا الانتصارَ للفلسطينيّين ولفلسطين؛ وثالثها أن تطبيعَها مع الآخرين وخاصّة مع الفلسطينيين لم يكن صادقا، فقد استغلّت التطبيعَ معهم ليزدادَ نهبُها لأراضيهم والتنكّرُ للاتّفَاقات السّابقة معهم والسّعيُ المستمرّ إلى فرضِ الأمْر الواقع عليهـم احتـلالا ومحاصرة وتضييقـا؛ ورابعها رفْضها لأيّ نقدٍ يوجّه إلى ما تقومُ به من إرْهَـابٍ لأنّ كـلّ نقدٍ لهـا يُوضَعُ في خانة “مُعادَاةِ السّامية”، حتّى أصبحت الكيانَ الاستعمَاريّ الوحيدَ المعْفَى منْ أيّ عقاب!

فهل يجد أصحابُ المواقف الليّنَة الهشَّةِ من التّطبيع بعدَ هذا كلّه تبريراتٍ مُقْنِعَةً؟

كاتب وجامعي تونسي

د. إبراهيم بن مراد

:: مقالات أخرى لـ د. إبراهيم بن مراد

د. إبراهيم بن مراد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر