الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

النسب الخاطئ

رغم تكرار التصويبات في هذا المجال، لا نزال نتمسك بالصيغ الرائجة، عملا بالقاعدة القديمة 'خطأ مشهور خير من صواب مهجور'.

العرب أبو بكر العيادي [نُشر في 2017/01/05، العدد: 10503، ص(15)]

غالبا ما نقرأ مقولات منسوبة إلى أعلام، عربا كانوا أو أجانب، أحياء أو غابرين، فنتداولها دون أن نتحرى صحة نسبتها، فتغدو مع الأعوام مرتبطة باسم معين، وتستقر في الأذهان منسوبة إليه. أو هي خاطئة أصلا، ألصقت بشخص لم يقلها، بل قوّله فيها غيره من بعده، إما عن قصد وإما عن سوء فهم.

فأما المثال الأول فقولة تنسب إلى العماد الأصفهاني، جاء فيها “إني رأيت أنه لا يَكتب أحدٌ كتابًا في يومه إلا قال في غده: لوغُيّر هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يُستحَسن، ولو قُدَّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر”.

وهي في الواقع لعبدالرحيم البيساني العسقلاني الملقب بالقاضي الفاضل، وكان وزيرا لصلاح الدين الأيوبي، قالها معتذرا للعماد الأصفهاني عن كلام استدركه عليه. والخطأ مرده الأديب المصري أحمد فريد الرفاعي الذي روّج لتلك القولة منسوبة إلى الأصفهاني إذ كان يوردها في مستهل كلّ جزء من أجزاء “مُعجم الأدباء” لياقوت الحمويّ.

وأما المثال الثاني فقولة يستحضرها الناس أجمعين كلما جرى الحديث عن التسامح، إذ يعزون إلى فولتير قوله “أنا لا أتفق مع ما تقول يا سيدي، ولكنّي سأناضل حتى تستطيع قوله”، والرجل إنما تحدث عن كتاب “في الروح” للشاعر والفيلسوف الفرنسي كلود أدريان شفيتزر المكَنّى بهلفيتيوس (1715-1771) قائلا “أحبّ مؤلِّف ‘في الروح’. هذا الرجل أفضل قيمة من كل أعدائه مجتمعين؛ ولكني لم أوافق قط، لا على أخطاء كتابه، ولا على الحقائق المبتذلة التي يتشدّق بها. لقد وقفت في صفّه بصراحة، حين أدانه رجال عبثيون على تلك الحقائق نفسها”.

والسبب هنا أيضا أن كاتبة إنكليزية تدعى إيفلينبياتريس هول، زعمت في كتاب “أصدقاء فولتير” الصادر عام 1906 أن المفكر الفرنسي قال “أنا لست متفقا مع آرائك، ولكنني مستعد لأن أقدم حياتي من أجل أن تعبر عنها” (وهي الصيغة الرائجة في العالم العربي)، وأدرجت المقولة لاحقا في مستهل كتابين آخرين تناولت فيهما فكر فولتير وأدبه.

ولم تتدارك خطأها المقصود إلا عام 1939، في رسالة نشرت عام 1943 في المجلد الـ58 من مجلة “اللغة الحديثة” الأميركية بعنوان “ما لم يقله فولتير إطلاقا”، اعترفت فيها بأن المقولة من وضعها.

ورغم تكرار التصويبات في هذا المجال، لا نزال نتمسك بالصيغ الرائجة، عملا بالقاعدة القديمة “خطأ مشهور خير من صواب مهجور”.

كاتب من تونس

أبو بكر العيادي

:: مقالات أخرى لـ أبو بكر العيادي

أبو بكر العيادي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر