السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

المشروع الشعري المفقود

في تقديري إن ابتكار تصور للمفهوم الجديد للمشروع الشعري هو في آن واحد مشروع لهوية جديدة للمجتمع برمته.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2017/01/06، العدد: 10504، ص(15)]

لاشك أنّ الشعر مشروع شخصي محض ولا مكان فيه للشراكة، أو لما يسمى إجحافا بالكتابة الجماعية للقصيدة، ولكن الفردية الشعرية لا تعني قطع الصلة بحياة الآخرين، أو بردود فعل القراء إزاء النص الشعري، إذ يمكن القول بأن أهمية القارئ تتمثل في أنه هو من يمنح القصيدة حياة أخرى بعد أن تكون قد خرجت من قبضة الشاعر الذي كتبها لتصبح بعدئذ ملكية عامة. فالشاعر مثلما قال ناقد إنكليزي ضاع مني اسمه “يعبر، مثلا، عن بعض تجاربه الخاصة مما لا علاقة له مطلقا بشيء خارج هذه الخصوصية، ومع هذا قد يصبح الشعر، بالنسبة إلى القارئ، تعبيرا عن موقف عام كما يصبح تعبيرا عن بعض تجاربه الخاصة “.

وهنا نتساءل: هل توجد لدى الشعراء الجزائريين القدامى أو المعاصرين مشاريع شعرية مؤسسة على الفرادة الشخصية التي تمنح التجربة الشعرية هويتها الخاصة بها؟ وهل تخضع النصوص الشعرية الجزائرية قبل نشرها للتنمية المطردة والتفريع والتطوير بما يؤدي إلى بناء عالم شعري له وجوده المتميز؟

وفي الواقع إن أغلب ما كتب ويكتب حاليا من شعر في الجزائر، سواء على مستوى القصيدة الملتزمة بالنمط الموسيقي التقليدي أو على مستوى قصيدة التفعيلة أو تلك التي تنتج عن المحاولات الهشة في مجال قصيدة النثر المصابة بالنمطية والكساح اللغوي، لا يشكل مشروعا شعريا يمكن أن نجد فيه المواد الأولية التي تمكّن من صياغة رؤية تبنى على أساسها حياة اجتماعية حداثية أو فضاء روحي جمالي تنهض عليهما معا معالم ثقافة ذات خصوصية وطنية وذات قيمة مضافة.

لا شك أن أبرز مشكلة تحول دون إنجاز مثل هذا المشروع تتمثل في ظاهرتين، أولاهما تتمثل في استسهال كتابة الشعر في ظل غياب الموهبة المبدعة، وثانيتهما تتلخص في عدم الوعي فكريا وجماليا بالشروط التي تفجر ينابيع التجربة الشعرية وفي مقدمتها حل مشكلة تمثيل اللغة التجزئي والناقص للعالم ولتجارب الإنسان وعلاقة كل ذلك بالمخيلة باعتبارها الملكة التي تتوسط بين ما تنقله لنا الحساسية وبين ما تحاول ملكة الفهم البشري أن تدركه وتحوله إلى سؤال حول أسرار الوجود.

في تقديري إن ابتكار تصور للمفهوم الجديد للمشروع الشعري هو في آن واحد مشروع لهوية جديدة للمجتمع برمته، ولكي ندرك أهمية هكذا مشروع لا بد لنا أن نتذكر مثلا ما قاله مرة الفيلسوف الألماني جورج فريدريك هيغل بأن عمارته الفلسفية تهدف جوهريا إلى جعل اللغة الألمانية تتكلم الفلسفة وهو ما حققه في منجزه الفلسفي فعلا ونجح مواطنه بتهوفن أيضا في جعل اللغة الألمانية تتكلم الموسيقى السيمفونية.

كاتب جزائري

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

أزراج عمر

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر