الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

المغرب العربي: مخاطر كيانية

اليوم، تجابه منطقة المغرب العربي خطرا وجوديا عبر إمكانية استحضار 3 سيناريوهات مترابطة؛ سيناريو جنوب السودان في المغرب، سيناريو الأكراد بين الجزائر وليبيا تحديدا، سيناريو أفغانستان في ليبيا.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2017/01/06، العدد: 10504، ص(9)]

من الواضح أنّ المغرب العربي تجاوز بكثير مرحلة اللاأفق في الاستقرار والوحدة ليصل حاليا إلى مرحلة الغليان والفوران، سيما مع تغيرات إقليمية ودولية كبيرة لم تسترع بعد انتباه الأمانة العامة للمغرب العربي بقيادة الطيب البكوش، ولا يبدو أنّها ستلفت اهتمامهم الضيّق ومقاربتهم الحينية والفورية ومواقفهم الرتيبة والكلاسيكية.

حدثان كبيران لا بدّ من التوقف عندهما مليا، لا فقط لأن الرؤية الاختزالية والانفصالية والقُطرية عاجزة عن تقديم مقاربة لتأمين المصالح المشتركة والحيلولة دون المخاطر المشتركة أيضا، ولكن -وهذا هو الأهم- لأنّ الاستهداف صار استهدافا مناطقيا كيانيا ولم يعد استهدافا محليا فقط.

وكما لم يكن الهدف من استنبات بذرة الفيدرالية الكردية محصورا فقط في العراق، وإنما يمتد على كامل المنطقة الجغرافية الحاضنة للوجود الكردي، وكما لم يكن أيضا المرمى من إحياء “لوثة” الطائفية ضرب لبنان حصرا وإنما المشرق العربي برمته، فإنّ المخاطر التي تستهدف أي قطر مغاربي هي مساع لاستهداف الكليانية المناطقية المغاربية برمتها.

ففي نفس الوقت الذي تعرف فيه منطقة الشرق الجزائري، بجاية وغيرها، احتجاجات ومظاهرات شعبية يختلط فيها الراهن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بالرهان الإثني الانفصالي القلق، تصرّح الإدارة الأميركية، في تعبير عميق عن المؤسسة وليس عن الشخص، بأنّه لا سيادة للمغرب على الصحراء المغربية.

وفيما أعلنت الجزائر عن حالة الطوارئ القصوى خشية تمدّد الإرهاب المعشش في الجبال والأحراش التونسية إلى الجانب الجزائريّ، يبدو أنّه من حق الدبلوماسية المغربية توخي الحذر الشديد من السياسات القادمة للرئيس دونالد ترامب والتي لن تقل سوءا عن السياسات القائمة لدى الإدارة الديمقراطيّة.

ولئن ربطنا القلق الإثني بعناوين اجتماعية واقتصادية في المغرب والجزائر، بما يحصل في ليبيا من تشظ مؤسساتي وعسكري عجزت كافة المبادرات السياسية المحلية والإقليمية عن جسر هوته الإقليمية، بل ووصل الأمر إلى حدّ إعلان نائب رئيس المجلس الرئاسي عن فشل المجلس في القيام بمهمته وتأمين الحدّ الأدنى من المسؤوليات الوطنيّة، فإنّ النتيجة ستكون المزيد من التأزم في المنطقة المغاربية المأزومة أصلا.

تونس بدورها تعيش فترة حرجة على المستويين الأمني والاجتماعي، فلئن عجزت كافة الحكومات عن حل المعضلة الاقتصادية وعن تفعيل المحايثة بين الفعل السياسي والفعل المادي، فإن الفاتورة الباهظة لسياسات الترويكا من ترويج وتسهيل للقتال في سوريا تعمل حاليا على قضم المنسوب المحترم من نجاحات حكومات ما بعد “الترويكا” في محاربة الإرهاب، إضافة إلى أنّ الاستثناء الديمقراطي عاجز عن الديمومة والاستمرار والازدهار وسط إكراهات جغرافية تضعه بين “الدولة الفاشلة” جنوبا، وفشل الدولة “غربا”.

الغريب أنّ الجزائر التي تدرك جيّدا مكامن لعبة الأمم في التفرقة الإثنية واللغوية والدينية والتي شهدت أحداثا تاريخية دموية كبرى (القبائل خلال الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين) كان الهدف منها نيل الحقوق الثقافية واللغوية الحقيقية، تعاملت مع الموضوع من بوابة الأمن الهوياتي وعبر مقاربة التقاطر الحقوقيّ، ولم تستكنه بعد أنّ المواطنة الثقافية هي شرط ثقافة المواطنة وركيزة السلم الاجتماعي.

إن لم يتفطن الفاعل الرسمي في المغرب العربي إلى أنّ منع استدرار النموذج الكردي في المنطقة المغاربية يمر عبر تجنب ذات الأخطاء التي اقترفها الفاعلون السياسيون والأحزاب الحاكمة في الشرق الأوسط، والتي حولت العروبة إلى أيديولوجية حكم وصيّرت الثراء الإثني والثقافي خطرا قوميا تعمل على إلغائه وإفنائه في مقولات تسيء للعروبة، وتحوّلها إلى منظومة حكم فاشي أقرب ما يكون إلى العنصرية العرقية، إن لم يتفطن الفاعل الرسمي إلى كل هذه المقدمات، فإنّ أي حديث عن مؤامرات الثورات الملونة يصير بلا منطق طالما أنّ مقدمات التثوير حاضرة وأسباب التحريض جاهزة.

اليوم، تجابه منطقة المغرب العربي خطرا وجوديا عبر إمكانية استحضار 3 سيناريوهات مترابطة؛ سيناريو جنوب السودان في المغرب، سيناريو الأكراد بين الجزائر وليبيا تحديدا، سيناريو أفغانستان في ليبيا. وكلها مخاطر كيانية تهدد لا فقط وحدة دول المغرب العربي وإنما تؤشر على إمكانية إنشاء دول قلقة جديدة أو أنصاف دول على وقع الجغرافيات المشتعلة.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر