الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

عندما يصبح الإرهاب عملا إنسانيا

الإسلام 'المرضي' الغاضب ليس هو في الحقيقة الإسلام الذي يمارسه المسلمون منذ المئات من السنين ويقوم على علاقة الإيمان بين المسلم وخالقه، بل هو الإسلام السياسي الذي تريد طائفة من الناس ذوي المطامح والمطامع فرضه على الناس فرضا.

العرب د. إبراهيم بن مراد [نُشر في 2017/01/12، العدد: 10510، ص(9)]

يصنّف ميخائيل نعيمة في كتابه “مِرْدَاد” الإنسان إلى أربعة أنواع: (1) إنسان جله بهيمة وبعضُه إنسان؛ (2) إنسان نصفه بهيمة ونصفه إنسان؛ (3) إنسان جله إنسان وبعضه بهيمة؛ (4) إنسان كله إنسان. وقد فضل استعمال “بهيمَة” – وتقابلها في الفرنسية “Bête” – على استعمال “حيوان” لأن الإنسان بطبيعته حيوان؛ ولكن يمكن أن نلطف التسمية – احتراما لسلالة البشر من فصيلة الحيوان – فنعوض في المقارنة لفظة “بهيمة” بـ”حيوان”.

ولا شك أن النوع الرابع من تصنيف نعيمة لا يوجد إلا في أذهان الفلاسفة المثاليين مثله؛ وأن النوع الثالث نادر الوجود لأنه دالّ على أن الإنسان قد جاهد النفس الحيوانية فيه مجاهدة قربته من الكمال، وهذا قد يحصل في أوساط معينة قد خضعت لنوع من الحياة الروحية المخالفة للحياة الطبيعية التي يحياها البشر؛ وأما النوع الثاني فنوع “وسطي” تقوم حياتُه على “تعادلية” بين الإنسان والحيوان في الشَّخص الواحد، وهو النموذج للإنسان السوي الذي يسعى إلى أخذ حظه من الدنيا مع تحكم في رغباته وغرائزه، ويحاول ما استطاع أن يكون “مواطنا صالحا” يؤمن بأنه فرد من جماعة بشرية له ما لها وعليه ما عليها، وهذا النوع موجود في مختلف المجتمعات ولولا وجوده فيها لفسدتْ.

فأما النوع الرابع فهو النوع الفَاسد الذي غلبت الحيوانية – التي قد تنقلبُ إلى بهيمية – فيه على الإنسانية، ووُضعتْ من أجل الحدّ من فساده القوانين وأنْشئت مؤسسات من أجل تهذيبه أو من أجل ردعه. ولهذا النوع انتشار كبير في مختلف المجتمعات وخاصة في المجتمعات المتخلفة.

فإذا طبقنا التصنيف الذي وضعه ميخائيل نعيمة على المجتمع التونسي كان لا بد من الانطلاق مما هو مشَاهد مَعيش فيه. والنظرةُ الموضوعية إلى ما نشاهده تُظهر أن التونسي قد أصبح خلال السنوات الست الأخيرة يحتل المراتب العليا في العالم في ظواهر دالة على غلبةِ الحيوان فيه على الإنسان: منها الانتحار، مع ما يعنيه الانتحار من استهانة المنْتحِر بنفسه وبحياته، وإذا كان ذلك فكرة قائمة فيه وشعورا مستوليا عليه فلا غرابة في أن يستهين بحياة غيره؛ ومنها حوادث الطّرقات القاتلة، مع ما يعنيه ذلك من تهور وتعد على القانون واعتداء على حق الغير واستهانة بالحياة البشرية؛ ومنها التهريبُ بمختلف الوسائل لمختلف البضائع التي تشمل فيما تشمله السلاح والمخدرات والبشر، وكلها من المحرمات دوليا؛ ومنها الفساد بما يعنيه من رشوة ومحسوبية واستيلاء على المال العام والتعامل مع السلطة على أنها “غنيمة” وأن الأقربين في العائلة أو في الحزب أولى بها.

وأنتَ إذا نظرتَ في عدد الأحزاب السياسية المعترف بها – وقد تجاوزت المائتين في مجتمع يَعُدّ بضعة ملايين من السكان – تبيّنتَ أن كثرتها دالة على أن غاية أكثر مؤسّسيها والمنتمين إليها هي اعتلاء كرسي السلطة وتحقيق المآرب الذاتية.

والظواهرُ التي ذكرناها تدل على أن الكثيرين من التونسيين قد ارْتدّوا خلال السنوات الست الأخيرة عن إنسانيتهم التي اكتسبوها إما اختيارا وإما اضطرارا من دولة الاستقلال ليندرجوا في النوع الأول: أناس جلهم حيوانٌ وبعضهم إنسانٌ .

وأبشع ما يدلّ على غلبة الحيوانِ على الإنسان حب القتل مع ما يحيط به من دعوة إليه وإعداد له وتشجيع عليه وتنفيذ له ودفاع عنه وعن مرتكبيه وتبرير لأفعالهم. والقوانين الدولية تتسامح مع مَن قَتَلَ دفاعا عن النفس أو عن الوطن، على ألا يكون هو ذاتُه مُعتَدِيا وألا يكون الوطن الذي يدافع عنه وطنا مُفتكا مغتصبًا مُستَلَبًا من شعب آخر.

وحب القتل أصبح ظاهرة طبيعية في المجتمع التونسي كما تدل على ذلك الأخبار التي تطالعُنا بها الصحف يوميا، وقد يصحب القتل أحيانا اغتصاب لقُصّرٍ أو تنكيل بجثة، وقد يحدث القتلُ بين الأقاربِ في العائلة الواحدة لأسباب تافهة جدا أحيانا.

وهذه الأحداث دالة كلها على عجز القاتل عن التحكم في غرائزه العدوانية التي تمحو الفوارق بينه وبين الحيوان، أي بينه وبين “البهيمة” في اصطلاح ميخائيل نعيمة. وهي تُرجعنا أيضا شئنا أو لم نشأ إلى موضوع الساعة الذي يحاول بعض ذوي المصالح والمآرب جادين تلهية الناس عنه بجرهم إلى الاهتمام بموضوع المصالحة مع أصهار زين العابدين بن علي، وموضوع الساعة الذي نعنيه هو مشاركةُ التونسيين في الإرهاب ضد شعوب أخرى من أجل أهداف لا علاقة للشعب التونسي بها، وعودتُهم إلى أرض الوطن تائبين غانمين سالمين.

والأخبار المتَناقَلَة من ميادين القتال تنبئ بأن هؤلاء التونسيين من أشرس النّاس طبعا وأعنَفِهم سلوكا ومن أجرئهم على القتل والاغْتصاب والتنكيل، وهم يفعلون ما يفعلونَه باسم الدين بعد أن حُرّضوا عليه في المساجد والخِيَم الدعوية وأفتى لهم الشيوخُ به ووعدوهم بالجنة وبالحور العين فيها، رغم أن الدين قد حرم قتلَ النفْسِ إلا بالحق.

ولا ندري ما هو الحق الذي يسمحُ للتونسي بأن يقتُلَ السوريَّ أو الليبي أو العراقي وأن يغتصب زوجته أو ابنته؟ يقول شيوخهم ودعاتهم إلى الجهاد هو “الغَضبُ” للإسلام، وهي حجة تقسمُ المسلمين إلى من يُرتَضى إسلامه ومن لا يُرتضى إسلامه، فكأن السوريين والليبيين والعراقيين الذين قُوتلوا وقتلوا مسلمون لا يُرتضى إسلامهم، والتدين المرضيّ والتدين غير المرضيّ كانا الحجة التي قامت بسببها حروب دينيّة طاحنة في أوروبا من القرن السادس عشر إلى بداية القرن الثامن عشر للميلاد بين الكاثوليك والبروتستانت، أي بين من تُرْتَضى ومن لا تُرتَضى مسيحيته.

والإسلام “المرْضيّ” الغاضبُ ليس هو في الحقيقة الإسلام الذي يمارسُه المسلمون بمختلف مذاهبهم ومشاربهم وفرقِهم منذ المئات من السنين ويقوم على علاقة الإيمانِ بين المسلم وخالقه، بل هو الإسلامُ السياسي الذي تريد طائفة من الناس ذوي المطامح والمطامع فرضَه على النّاس فرضا.

ومن أولئك الدعاة إلى الجهاد والمدافعين عنه إمامٌ إخْواني سمعناه في خُطبةٍ له مبثوثةٍ على “يوتيوب” يستغيثُ: “حلب… وامُعْتَصَمَاهُ”! وكأن حلب أسيرة في أيدي الروم كما حدث للمرأة المسلمة التي حُبِستْ في بلاد الروم بعَمورية أيام الخليفةِ العباسي المعتصم فصاحت “وامعتصماه” مستنجدة به ليخلصها من أسرها، فأرسل جيشا من أجل إنقاذها.

وشبيه بهذا الإمام قادة الإسلام السياسي عندنا في دفاعهم المستمر عن “الجهاديين” وتبريرهم لأعمالهم ووصفهم لهم بالمقاومين ومطالبتهم بقبول عودتهم، بل إنّ الدفاع عنهم قد انتقل إلى بعض الأساتذة الجامعيين المحترمين: فقد قرأنا لأحدهم هذا الأسبوع مقالاً شبّهَ فيه “العائدين من بؤر التوتّر” بـ“أبنائنا الذين صنعوا ثورة الحرية والكرامة (…)، أشْبَهوهُم في أنّهم جاؤوا زَحفا على الأقدام من سيدي بوزيد والقصرين وجهات أخرى كثيرة لإشعال الثورة ضد الظلم والفساد.

ولا يختلف أمرهم عن الحارِقين في البحر والضاربين في الصحراء والأدغال لنصرة إخوانهم في مقاومة الظلم والفساد”. ويُفهم من هذا أن الإرهابيين الذين قاتلوا في العراق وسوريا وليبيا هم ثوار مقاومون قاموا بعمل إنْساني بنصرتهم لإخوانهم في البلدان التي ذهبوا إليها في مقاومتهم للظلم والفساد.

أما أن يكونوا قد قتلوا مُسلمين آخرين بغير حق وأجرموا في حق الأوطان التي قاتلوا فيها فلا قيمة له أمام أعمالهم الثورية الإنسانية! وقد فات الأستاذ الجليل أن أبناءنا “الذين صنعوا ثورة الحرية والكرامة” لم يقوموا بما قاموا به دفاعا عن الإسلام واستجابةً للفتاوى والتحريض وطمعا في الجنة، ومن الخطأ الجسيم لذلك تشبيه هؤلاء بأولئك وخاصة في درجة الإنسانية ودرجة الحيوانية.

كاتب وجامعي تونسي

د. إبراهيم بن مراد

:: مقالات أخرى لـ د. إبراهيم بن مراد

د. إبراهيم بن مراد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر