الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

عنف الدولة الإسلامية يوسع الفجوة الثقافية بين الأجيال

استراتيجية تنظيم الدولة الإسلامية ارتدت عليه بمهاجمة ملهى رينا، وإن فعل شيئا فقد شجع الشباب المسلم وخاصة في البلدان التي كان مواطنوها من بين الضحايا للدفاع عن حقهم في عيش حياة تعكس قراءة أكثر ليبرالية وأقل تقييدا للإسلام.

العرب جيمس دورسي [نُشر في 2017/01/12، العدد: 10510، ص(6)]

التفجير الذي قام به تنظيم الدولة الإسلامية في احتفال رأس السنة في ملهى ليلي في إسطنبول، أوقد حروبا ثقافية في تركيا وإسرائيل وطرح مطامح في صفوف الشباب في المجتمعات الإسلامية المحافظة من أجل الحصول على أساليب عيش أكثر تحررا.

لقد سلط تفجير مطعم وملهى رينا في إسطنبول، الذي أدى إلى مقتل 39 شخصا، معظمهم من السائحين، الضوء على توترات اجتماعية أوسع وصراع يخوضه الشباب الذي يختار طرقا فردية لنحت فضاءات يستطيع فيها الالتفاف على التقاليد الاجتماعية.

وكانت جنازة ليان زاهر ناصر، البالغة من العمر 19 عاما، ابنة من مدينة طيرا في الخليل، ولقيت حتفها في عملية ملهى رينا، بمثابة مثال حي على هذا الجدل والواقع. سلطت جنازة ليان، التي حضرها الآلاف بما في ذلك أعضاء الكنيست وممثلون عن السلطة الفلسطينية، الضوء على النضال من أجل روح السلام في المجتمع الفلسطيني الإسرائيلي.

لكنها سلطت أيضا الضوء على صراع آخر داخل المجتمع الفلسطيني، وهو صراع موجود في مختلف المجتمعات المسلمة، في رفض للأعراف الاجتماعية القديمة. أكدت صديقات ليان زاهر، وشبات كثيرات حضرن جنازتها على حقّهن، وحق ليان، في الاستمتاع بالحياة، وذلك ردّا على الانتقادات التي وجهت للضحية بأنها خرقت الأعراف الإسلامية حين زارت الملهى للاحتفال برأس السنة الميلادية. وكثيرا ما يدل صراعهن على عملية رفض للأعراف الاجتماعية القديمة لمن هم أكبر منهن سنا.

وفي حديثها مع صحيفة هأرتس الإسرائيلية، تقول علاء عبدولاهي، وهي أصيلة طيرا “محاولة القدح هذه هي جريمة قتل أخرى في حق ليان”. وتتابع بقولها “وصلنا إسطنبول كشابات مستقلات ومن حقنا الاحتفال بعيد رأس السنة في ملهى شهير ومن لا يعجبه هذا فليكسر رأسه”.

ونجد صدى لكلماتها في حديث المسؤولين البلديين في طيرا، حيث يقول رئيس البلدية مأمون عبدالحي في تأبين ليان زاهر “نحن فخورون بليان وصديقاتها. نحن نفتخر بجيل جديد يتصدى لرموز الظلامية. نحن نكافح من أجل الحياة والشباب بيننا هم من يقررون ما هو جيد وما هو ليس جيدا، ولا أحد يجبرهم على فعل أي شيء. هؤلاء الذين يريدون فرض آرائهم قولوا لهم “موقفكم غير مقبول’، فهذه القوى الظلامية لن تردع المحبين للحياة من الشباب. نحن نمثل الإسلام الحقيقي، وليس هناك أي مكان لهؤلاء الذين يتبنون جهادا زائفا”.

الدفاع والجدل حول حق ليان زاهر ناصر، وعموم الشباب، في نحت حياتها الخاصة، يعكسان الانقسام بين التيارين العلماني والديني في المجتمع في تركيا الذي هو مثله مثل إسرائيل أكثر انفتاحا من أغلب المجتمعات في المنطقة. ويظهر تأثير الاتجاه شديد المحافظة في تركيا جليا في بيان صدر في شهر ديسمبر عن إدارة الشؤون الدينية التركية يعلن بأن الاحتفال برأس السنة الميلادية “دخيل” عن القيم التركية.

وجاء البيان على إثر حملة إسلامية تسعى لإقناع المسلمين الأتراك بعدم الاحتفال بعيد الميلاد. وأحد الأمثلة، عرضت ملصقات بابا نويل وهو يتلقى لكمات من مسلمين أمام الملأ. وفي مثال آخر نظم القوميون المتشددون مظاهرة صوبوا فيها مسدساتهم على رأس بابا نويل.

معروف أن التنظيمات الإسلامية في تركيا تمنع الاحتفالات بعيد الميلاد ورأس السنة، بيد أن الهجوم على الملهى الليلي في إسطنبول زاد في احتداد خطوط المعركة في تركيا، حيث يشعر الكثير من العلمانيين أن تعزيز الحكومة للقيم المحافظة والقمع الكاسح للمنتقدين في أعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة، أدى إلى تقسيم البلد بدلا من توحيده وعمق الانقسام الاجتماعي.

وفي حين يتحدى الفلسطينيون والأتراك الأعراف المحافظة علنا، يحتاج السعوديون للاحتراس أكثر حتى وإن كانوا يتبنون القيم نفسها. ويذكر أن سبعة سعوديين كانوا من بين ضحايا الهجوم على رينا.

وفي حديث مع قناة العربية، أكدت الصحافية منى الناصر أن ملهى رينا كان في جناح منفصل عن المطعم وانتقدت أولائك الذين أدانوا السعوديين الذين ذهبوا إلى المحل. وقالت “أنا شخصيا تعشيت في مطعم رينا من قبل ومثل أي مطعم آخر في أوروبا أو في مدن غربية أخرى توجد مشروبات كحولية وتُعزف الموسيقى. رينا هو أحد المطاعم الأكثر نخبوية في إسطنبول يزوره الكثير من العرب”.

في المجمل، ربما تكون استراتيجية تنظيم الدولة الإسلامية قد ارتدت عليه بمهاجمة رينا، وإن فعل شيئا فقد شجع الشباب المسلم وخاصة في البلدان التي كان مواطنوها من بين الضحايا للدفاع عن حقهم في عيش حياة تعكس قراءة للإسلام أكثر ليبرالية وأقل تقييدا. وفي الكثير من الأحيان يتخذون موقفا فرديا عبر الخيارات الهادئة التي يقومون بها بدلا من الجهود لإحداث التغيير بصفة جماعية.

باحث في السياسات الدولية

جيمس دورسي

:: مقالات أخرى لـ جيمس دورسي

جيمس دورسي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر