الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

ملاحظات غير شكلية

القمني يرفض أن تحتكر العلمَ فئةٌ مخصوصة، فلا فرق عنده بين ما يصلح للخاصة وما يصلح للعامة، لإيمانه بأن من حق الناس أجمعين الخوض في شتى المسائل.

العرب أبو بكر العيادي [نُشر في 2017/01/12، العدد: 10510، ص(15)]

في الحديث القيّم الذي أجرته مجلة الجديد اللندنية، في عدد ديسمبر الماضي، مع المفكر المصري سيد القمني، لفتت انتباهنا ثلاث نقاط لا يمكن أن نمرّ عليها دون تعليق.

أولا، أن الرجل، وهو على مشارف السبعين، لا يزال على جرأته في نقد أديان التوحيد، والأساطير التي تروجها، والمؤسسات التي تمثلها، والأنظمة التي تجد في نشر الفكر السلفي الغيبي وتذويب الوعي بالحامض الكبريتي، كما يقول غرامشي، تكريسا لبقائها في سدة الحكم، كما عهدناه في مؤلفاته ومقالاته، لا يستثني من ذلك بلادَه التي قال إنها في كوارث منذ أن انتقلت مقاليد الحكم إلى الضباط، ولا الأزهر، وكان قد قاد مؤخرا دعوة إلى إدراجه ضمن المؤسسات الإرهابية، ولا الكنيسة القبطية التي يروج بعض أتباعها شامتين سفر إشعياء، زاعمين أنه تنبأ بخراب مصر، رغم أنه يدين بشدة الأعمال الإجرامية التي يروح الأقباط ضحيتها، وحسبنا أن نقرأ ما كتبه عقب تفجير الكنيسة البطرسية في حي العباسية بالقاهرة. وكان من جرائر ذلك كله مقاضاته بتهمة ازدراء الأديان.

ثانيا، أنه صار بسبب تلك الجرأة نفسها قبلة سهام المتشددين، فآثر العزلة في بيت مغلّق بإحكام، هربا مما أسماه “كتائب السلفية التكفيرية الجهادية، وكتائب المسيحية الصليبية”، واتّقاء للأذى الذي يمكن أن يصيبه منها لو عرفت مكانه، إلا أن المحاورة، التي ائتمنها على ما بات الآن مخبأَه، كشفت تقريبا للقراء عن ملجئِه، رغم إقرارها هي نفسها بأن القمني إنما اختاره منذ سنوات طويلة “هربا من التهديدات اليومية بالقتل على خلفية الأفكار التي لا يكف عن بثها”. وهو ما بدا لنا منافيا لأخلاقيات المهنة، واستخفافا بحياة رجل يتهدده خطر حقيقي في هذا الظرف المصطبغ بالعنف.

ثالثا، أن القمني يرفض أن تحتكر العلمَ فئةٌ مخصوصة، فلا فرق عنده بين ما يصلح للخاصة وما يصلح للعامة، لإيمانه بأن من حق الناس أجمعين الخوض في شتى المسائل ما دام الله قد كرّم الإنسان بالعقل، ولكنه يشترط في هذا الحوار ألا يناقشه إلا من كان على قدره. وهذا من حقه، ولكنه في رأينا أبعد ما يكون عن تواضع العلماء. ولو أخذنا به لصار لزاما ألا يناقش الفيلسوفَ غيرُ الفيلسوف، والناقدَ غيرُ نظيره، والروائيَّ غيرُ سميّه… والحال أن كبار الأدباء والمفكرين في العالم يجادلهم صحافيون، وحتى المناظرات التي تُعقد بينهم يديرها إعلاميون. والشرط الوحيد المقبول أن يكون المناقِشُ ملمّا بمنجَز المناقَش، عارفا بالحقل المعرفي الذي يشتغل عليه، دون أن يكون متخصصا فيه بالضرورة.

كاتب من تونس

أبو بكر العيادي

:: مقالات أخرى لـ أبو بكر العيادي

أبو بكر العيادي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر