الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

دعوة صريحة للخطأ

الخطأ الذي هو مرادف للحياة، للتجربة، للخروج من الصندوق، للانزلاق، وللسقوط أيضا، دعوة إلى التخلي عن المبادئ والقوالب الجاهزة التي تكبلنا وتجعلنا نتشابه كالقطيع.

العرب لمياء المقدم [نُشر في 2017/01/12، العدد: 10510، ص(21)]

أين تضع نفسك تجدها، فإذا اخترت أن تكون الخطة رقم واحد فلا تقبل أن تكون الخطة البديلة، هذا إذا افترضنا أنك تقبل أن تكون خطة من الأصل. جميعنا يعيش في دائرة من المتناقضات والخيارات، فكيف نحدد خياراتنا؟ ووفق أيّ مبدأ؟

أؤمن بالخطأ والضعف الإنسانيين، بل وأحبهما أيضا لأنهما العاملان اللذان يجعلان منا بشرا وليس أجهزة مبرمجة، وربما لهذا السبب تحديدا أكره في المقابل كلمة “مبادئ”، ولا أقصد بالطبع، المبادئ والقيم الإنسانية العامة التي يجب أن يتحلى بها البشر ليكونوا آدميين، لكن القوانين التي يضعها الناس لأنفسهم فلا يحيدون عنها لأنها تعني الخسارة أو تقود إلى الخطأ.

من مبادئي مثلا ألا أترك معركة، ولكنني تركت، ومن مبادئي ألا أكذب ولكنني كذبت، هل يعني هذا أنني تخليت عن مبادئي؟ قطعا لا، فالمبدأ موجود وقائم على الدوام، ولكنني خرجت عن مبادئي قليلا، تخليت عنها لمرة، أو مرتين، أو مئة، وهذا التخلي هو ما يجعل البشر جديرين بالحياة.

أن نقبل أو لا نقبل، أن نتنازل أو لا نتنازل، أن نمنح أو نأخذ، أن نبقى أو نذهب، جميعها خيارات صعبة تواجهنا في حياتنا وتضعنا أمام اختبارات معقدة قد نخرج منها سالمين أو غير سالمين، أغنى روحا أو أفقر، لكننا مع ذلك لا يمكن أن نسمي السلامة والغنى خيارا صحيحا أو عكسهما خيارا خاطئا، لأن الخيارات الخاطئة قد تصنع أبطالا في أحيان كثيرة، وعباقرة ومجانين.

أريد أن أقول إن كل الخيارات صحيحة ما دمنا قد اخترناها، فالخطأ والصواب ليس من أصل الأشياء بل هو من ضمن سلوكنا المحكوم باعتبارات ومؤثرات كثيرة، أن تختار يعني أن تكون على حق، أيا كان خيارك، أيا كانت دوافعك، فأنت لا تختار من لا شيء، تختار لأن ظروفا معينة، داخلية أو موضوعية دفعتك لهذا الخيار، الذي قد يجده الجميع خيارا سيئا ويحاسبونك عليه، وربما نبذوك لأجله، لكنه يظل خيارا صحيحا ما دمت قد أقدمت عليه، أنت تحديدا، دون غيرك من البشر، وهو دون غيره من الخيارات. كل خيار هو خيارك، صحيح.

هل معنى هذا أنه لا وجود لما يسمى خطأ أو صواب؟ في الحقيقة، لا، لأن الخطأ أو الصواب مفهوم ذاتي بالأساس، أي ما أراه أنا خطأ قد يجده غيري صواب والعكس صحيح، حتى المفاهيم العامة كالصدق والعدل والحرية يمكن أن تصبح إشكالية ومثار جدل في بعض المواقف والحالات. هل الخطأ هو ما يضر بنا أو بالآخرين؟ بعض الأضرار والخسائر ضرورية من أجل أن نجد أنفسنا وتوازننا.ما الخطأ إذن؟ لا يوجد شيء اسمه خطأ في رأيي، لأن المحك الذي على ضوئه نقيم ونقيس، غير موجود من الأساس، نحن نخطئ ونصيب وفق رؤية إنسانية وقواعد وشروط ثابتة للخطأ والصواب، وضعها بشر آخرون يخطئون ويصيبون، ووفق وجهة نظر الآخر واعتباراته التي تخصه وحده، ولا تخص أحدا سواه، وهكذا فإن كل شيء متحرك، كل شيء مهزوز، كل شيء نسبي.

بقي أن أقول إنني لا أخجل من أن أسمي هذا المقال “دعوة صريحة للخطأ”، الخطأ الذي هو مرادف للحياة، للتجربة، للخروج من الصندوق، للانزلاق، وللسقوط أيضا، دعوة إلى التخلي عن المبادئ والقوالب الجاهزة التي تكبلنا وتجعلنا نتشابه كالقطيع، دعوة إلى أن تدع خطأك يضيئك بين كل هذه النجوم المطفأة من “المصيبين”.

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

لمياء المقدم

:: مقالات أخرى لـ لمياء المقدم

لمياء المقدم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر