الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

الاحتجاجات تكشف عن تركة معقدة للحكومة التونسية

  • حمل تجاوب الحكومة التونسية مع مطالب المحتجين في محافظة تطاوين جنوب البلاد، مؤشرا على تكريس سياسات جديدة في التعاطي مع المطالب المشروعة للتنمية والتشغيل، بعيدا عن منطق الوعود والتعهدات، وهو توجه يعمل رئيس الحكومة يوسف الشاهد على تفعيله انطلاقا من مبدأ التمييز الإيجابي للمناطق الداخلية والمهمشة في البلاد.

العرب  [نُشر في 2017/04/18، العدد: 10606، ص(4)]

الكرامة والوطنية مفهوم واحد

تونس - تضمنت قرارات الحكومة الخاصة بمحافظة تطاوين حزمة من الإجراءات، مثل تمويل 500 مشروع صغير، وانتداب 500 عامل في القطاع العام وتوسيع دائرة المساهمات المالية المقدمة من طرف الشركات الموجودة في المحافظة لتحسين الوضع التنموي، وتوفير مواطن شغل جديدة.

ويؤكد المتابعون أن طبيعة الإجراءات المتخذة ومضمونها يتجاوز منطق القرارات الارتجالية الهادفة إلى تهدئة الأوضاع، بقدر ما تعكس اطلاعا عميقا على مشاكل المنطقة واحتياجاتها الأساسية والأولويات التنموية، وهو ما يقدم نموذجا على أسلوب حكومة الشاهد في إدارة الملف التنموي والاجتماعي في المرحلة القادمة بعدد من المناطق الأخرى.

وتنطلق احتجاجات تطاوين من مشروعية مطلبية وأوضاع اجتماعية لم تشهد تحسنا ملموسا بعد ست سنوات من الثورة، وذلك نتيجة الصعوبات الاقتصادية والتحديات الأمنية الكبيرة التي واجهتها كل من حكومة الصيد والشاهد على التوالي، فضلا عن التركة الثقيلة التي ورثتها عن حكومات الترويكا.

ورغم أن الثورة انطلقت في الأساس من المناطق المهمشة في وسط البلاد إلا أن الصعوبات الاقتصادية ألقت بتبعاتها على مستوى المعيشة وزيادة نسب التضخم وارتفاع نسب البطالة الأمر الذي وسع من رقعة الاحتجاجات إلى مناطق أخرى ما يطرح أكثر من تساؤل بشأن تداعيات ذلك على مستقبل البلاد.

يقول رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عبدالرحمان الهذيلي، إنّ “رقعة التحركات الاحتجاجية توسعت في المدة الأخيرة بشكل لافت ومثير للقلق ويهدد بنسف مكاسب الثورة”.

كما اعتبر أن “إيجاد حل جذري للبطالة وتنفيذ المشاريع المعطلة وتحسين أداء الإدارة، هي الإجراءات التي تمكن من تجاوز الأزمة الحالية”.

تجاوز الأزمة الحالية يعتمد على إيجاد حل جذري لمشكلة البطالة وتنفيذ المشاريع المعطلة وتحسين أداء الإدارة

وتواجه الحكومة تحديا تنمويا واجتماعيا كبيرا، لإصلاح الأوضاع بشكل خاص في المناطق التي تتمتع بثروات طاقية أو موارد منجمية هامة، حيث يواجه شباب تلك الجهات وخاصة من الجامعيين، بطالة مزمنة فضلا عما يعتبره سكان الجهة حرمانا لمناطقهم من نصيبها في الثروة.

وتسعى الحكومة إلى حل الملفات التنموية والاجتماعية بهذه المناطق، على الرغم من تراكمها وتشعب إشكالياتها المرتبطة بالتشغيل والبيئة والبنية التحتية، كما أن تزامن التحركات الاحتجاجية بعدد من المناطق يزيد من تعقيد محاولات الحل.

ويروي ياسين بن قايد (25 سنة) معاناته اليومية في محافظة تطاوين الغنية بالنفط، فرغم حصوله على شهادة الماجستير في الهندسة الميكانيكية، واستبشاره بأن الثورة لن تقدم له أقل من عمل يحفظ كرامته، إلا أنه لا يزال إلى اليوم عاطلا عن العمل رغم مرور ست سنوات من الصبر والانتظار.

ويقول ياسين “ست سنوات على الثورة ولا تزال الوضعية تراوح مكانها بل ازداد الأمر سوءا من خلال تفشي البطالة في صفوف شباب هذه المحافظة التي تزخر بالحقول البترولية وتنتشر بها الشركات النفطية العالمية”.

واعتبر ياسين، أن الغضب بدأ يتصاعد في صفوف أهالي وشباب تطاوين، جرّاء ما وصفه بعجز الحكومات السابقة وعدم إنصاتها إلى مشاغل المحتجين الذين ضاقوا ذرعا بتأزم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.

وكانت الحكومة قد أعلنت عن عقد مجلس وزاري للتنمية بتطاوين، قبل منتصف مايو المقبل، يترأسه رئيس الحكومة، وتنظيم يوم توعوي حول الطاقة والتشغيل، في 22 أبريل الجاري، فضلا عن التفعيل الفوري للاتفاق المتعلق بتوظيف أبناء تطاوين في الشركات البترولية.

وينبه عبدالرحمان الهذيلي، من ارتفاع وتيرة محاكمات المحتجين، إذ أن أكثر من 300 شاب تمت إحالتهم على المحاكمات بسبب تحركات احتجاجية أو اعتصام من أجل المطالبة بحقوقهم في التشغيل والتنمية.

وأفاد أن هذا العدد تم إحصاؤه خلال الفترة المتراوحة بين سبتمبر 2016 ومارس 2017، إذ أن عددا هاما من الشباب تمت إحالتهم على القضاء غيابيا وهم لا يعلمون ذلك.

واعتبر الهذيلي أن محاكمة المحتجين واللجوء إلى المعالجة الأمنية والقانونية، يعكس شعورا لدى الشباب بأن بعض الأطراف تسعى إلى معاقبة المحتجين على مطالبتهم بحقوقهم، ودفاعهم عن مبدأ التمييز الإيجابي في الكرامة والعدالة الاجتماعية وضمان توزيع عادل للتنمية والتشغيل.

وأكد الهذيلي، على ضرورة عمل الحكومة على الحوار مع جلّ المحتجين والإنصات إلى مشاغلهم.

ويرى أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي، أن “الخطأ الكبير الذي وقعت فيه الحكومات المتعاقبة بعد الثّورة أنها لم تقدم برامج اقتصادية واجتماعية واضحة تنير السبل للتونسيين وتقدم خارطة طريق لإصلاحات واضحة المعالم”.

ولفت الشكندالي إلى أن ” الحكومات السابقة كانت تسيّر الشأن العام للدولة بطريقة يومية غير مبنية على برامج واضحة محددة في الزمن وخاصة نتائجها التي يجب أن تكون تكون واضحة بعد فترة معينة”.

ودعا الشكندالي، إلى انتهاج إصلاحات اقتصادية واجتماعية عاجلة بدل تعاطيها مع الملفات بشكل يومي والتعجيل بتنفيذ ما تضمنته الخطة التنموية الجديدة (2016/ 2020) والتي صادق عليها البرلمان.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر