الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

فسيفساء الأردن تقترب من موسوعة غينيس

  • تشتهر مادبا بأرضية الفسيفساء النادرة يشهد عليها عدد الكنائس التي تحوي في داخلها أثمن وأروع اللوحات الفسيفسائية في العالم، وأهمها خارطة مادبا الشهيرة وتشمل الأماكن الواقعة بين بيبلوس (جبيل) ودمشق شمالاً إلى ثيبة في مصر جنوباً ومن البحر الأبيض غرباً إلى عمان والبتراء شرقا. وانشغل أهلها بهذا الفن فأبدعوا لوحات وأكوابا وتماثيل تذكارية يقبل عليها السائح والمغترب وكل من يزور المدينة التاريخية.

العرب سلام الشماع [نُشر في 2017/05/19، العدد: 10637، ص(20)]

الفسيفساء توثق الحضارات المتعاقبة

على مدى ثلاثة أعوام، أنجز مليون و200 ألف شخص أردني وسائح من كل أنحاء العالم في مدينة مادبا الأردنية أكبر جدارية من الفسيفساء، وضع فيها كل شخص حجراً واحداً، والجدارية مرشحة لدخول موسوعة غينيس للأرقام القياسية.

وإذا دخلت هذه الجدارية الموسوعة، وستدخل، كما يؤكد الجميع، فسيكون هذا الحدث هو الفوز الكبير الثاني لمدينة مادبا، بعد اختيارها، هذا العام، من المجلس العالمي للحرف اليدوية، في مجال الفسيفساء عالمياً.

ويتيح هذا الفوز للمدينة أن تدخل المنافسة لحصد جائزة الإبداع العالمي، التي أطلقتها منظمة اليونسكو الأممية، لوجود أكبر مجمع كنسي للفسيفساء في هذه المدينة.

أكبر لوحة في العالم

ينشغل المأدبيون في مجالسهم، هذه الأيام، بالحديث عن اللوحة الفسيفسائية الكبيرة، التي نصبت في مركز زوار مادبا، والتي نفذت باقتراح من جمعية تطوير السياحة والحفاظ على التراث في مادبا.

ويقول الصحافي أحمد الشوابكة لـ”العرب”، الذي ألّف كتاباً عن مدينة مادبا يحمل عنوان “ذاك المكان.. مادبا نقوش على جدرانها وجباه ناسها”، والذي يعتبر إنجاز هذه اللوحة أهم عمل للفت الأنظار سياحياً إلى المدينة التاريخية.

يضيف أن لوحة الفسيفساء هذه هي أكبر لوحة في العالم نفذتها وزارة السياحة والآثار الأردنية، بعد أن قدّمتها جمعية تطوير السياحة والمحافظة على التراث في مادبا، هدية لمديرية سياحة مادبا، لتنشيط الحركة السياحية في المحافظة، مشيراً إلى أن تكلفة تركيب اللوحة مع جداريتها بلغ 15 ألف دينار أردني (نحو 215 ألف دولار).

أول قطعة فسيفساء اكتشفت في تل مكاور بالمدينة، والذي شهد قطع رأس حنا المعمدان (النبي يحيى) سنة 100 قبل الميلاد

ولمن لا يعرف، فإن الفسيفساء هي فن وحرفة صناعة المكعبات الصغيرة واستعمالها في زخرفة الفراغات الأرضية والجدارية وتزيينها عن طريق تثبيتها بالملاط فوق الأسطح الناعمة وتشكيل التصاميم المتنوعة ذات الألوان المختلفة، ويمكن استخدام مواد متنوعة مثل الحجارة والمعادن والزجاج والأصداف وغيرها.

وفي العادة يتم توزيع الحبيبات الملوّنة المصنوعة من تلك المواد بنحو فني ليعبّر عن قيم دينية وحضارية وفنية بأسلوب فني مؤثر وهو من أقدم فنون التصوير.

مديرة المشغل في معهد فن الفسيفساء والترميم في مادبا سماهر خميس تتحدث بشيء من التفصيل عن هذه اللوحة فتقول “إن اللوحة تمثل الطريق الملوكي، وستدخل في موسوعة غينيس العالمية للأرقام القياسية لسببين، الأول كونها أكبر لوحة فسيفسائية في العالم، إذ تبلغ مساحتها 180 متراً مربعاً، والثاني أن المشاركين في تنفيذها مليون و200 ألف شخص.

وأشارت إلى أن الملكة رانيا العبدالله شاركت في إنجاز هذه اللوحة من خلال زيارتها إلى الجمعية في الموقع المستأجر في متحف لاتستويا (الحكاية) ووضعت حجرا في اللوحة، كما شارك العديد من الشخصيات العالمية والعربية والأردنية”.

وأوضحت أن أول حجر في هذه اللوحة وضعته، منذ شهر مارس 2013، الأميرة سمية بنت الحسن وهي الرئيسة الفخرية لجمعية تطوير السياحة والمحافظة على التراث في مادبا.

العاصمة الشرقية للفسيفساء

مدينة مادبا هي عاصمة الفسيفساء في الشرق، فهي تنام على طبقات من الفسيفساء، وقد بدأت صناعة هذا الفن فيها قبل الميلاد.

ويقول الناشط الثقافي والاجتماعي حنا القنصل، الذي يدرّس في أقدم مدارس المدينة لـ”العرب”، “إن أول قطعة فسيفساء اكتشفت في تل مكاور بالمدينة، والذي شهد قطع رأس حنا المعمدان، المسمى إسلامياً النبي يحيى، سنة 100 قبل الميلاد”.

يضيف القنصل “الكثير من القطع الفسيفسائية، التي أظهرتها التنقيبات في المدينة تعود إلى العصر البيزنطي في القرنين الخامس والسادس الميلاديين، وهي جميعها من إنتاج أبناء مادبا، التي كانت صاحبة مدرسة فسيفسائية”.

خارطة مادبا الشهيرة

وأشار إلى أنّ أبناء مادبا أسهموا أيضا في تزيين قصور الخلفاء الأمويين في الصحراء الأردنية، كقصر عمرة وقصر هشام بن عبدالملك في أريحا، وأن معظم الإنتاج الفسيفسائي جرى في العصر الأموي، كما في كنيسة العذراء وغيرها.

وتشير الدراسات الأثرية إلى أن الفسيفساء كانت تزيّن الأرضيات والجدران، إلا أن التنقيبات عثرت على الفسيفساء الأرضية ولم تعثر على الجدارية، بسبب تدمير الزلازل لها، والتي ضربت مدن بلاد الشام ومنها مادبا.

وتباع في شارع السياحة قطع صغيرة من الفسيفساء يشتريها السياح من دكاكين المدينة، ولكل صاحب دكان مشغل فسيفساء خاص به، ومعظم المشاغل يمتلكها خريجو معهد فن الفسيفساء والترميم، الذي تأسس في مادبا، قبل عشر سنوات، بتعاون بين وزارة السياحة والآثار الأردنية ودائرة الآثار العامة والوكالة الأميركية للتنمية والتعاون التنموي الإيطالي.

يقول المدير الإداري للمعهد أمجد محمد عوض “إن هذا المعهد كان سنة 1992 مدرسة مهنية تأسست بتعاون مشترك بين الحكومتين الأردنية والإيطالية وافتتحت سنة 1995، لكننا وجدنا أن بقاء المدرسة على ما هي عليه غير مجد فحوّلناها إلى كليّة مجتمعية تمنح درجة الدبلوم في مجال ترميم وإنتاج الفسيفساء وتأهيل طلبتها للانخراط في سوق العمل ومواكبته”، مشيرا إلى أنّ الطالب، بعد تخرجه، بإمكانه افتتاح مشغل خاص به والمشاركة في التنقيبات الأثرية واستكمال دراسته العليا في تخصصات لها علاقة بمجال فن الفسيفساء.

ويعدّ هذا المعهد الوحيد في المنطقة، الذي يقدّم برنامج دبلوم متخصص مبني على منهج علمي في فن ترميم الفسيفساء والحفاظ عليها، ويخرّج عاملين مهرة مؤهلين للعمل في ترميم وإنتاج فن الفسيفساء وتشكيل الحجر، ومنح مجلس التعليم العالي الأردني هذا المعهد الاعتماد العام والخاص ليباشر برنامجه ويمنح شهادة الدبلوم لخرّيجيه انسجاماً مع فلسفة المعهد ورسالته نحو التميز.

ويضم المعهد معرضا كبيرا للوحات الفسيفسائية، التي ينجزها الطلبة، وهي معروضة للبيع على السياح.

ويتحدث عوض عن اختيار مجلس الحرف العالمي لمادبا كمدينة عالمية لحرفة الفسيفساء لهذا العام. ويقول إنه جاء ليعكس التقدير العالمي لأهمية المدينة التاريخية، وتأريخها وللتراث الإنساني منذ أقدم العصور وتوثيقها لمراحل مفصلية من التاريخ الإنساني وقيام إمبراطوريات عظمى وانهيار أخرى، بالإضافة إلى أن مادبا تختصر تطوّر الحياة البشرية، منذ ما قبل التاريخ وحتى الحضارات الحديثة، التي استقرت في الأردن.

تأسس مجلس الحرف العالمي سنة 1964، في نيويورك، كمنظمة غير ربحية هدفها المحافظة على الحرف اليدوية كعنصر مهم في الحياة الثقافية للشعوب.

ويوفر المجلس المناخ الملائم ويُهيئ الظروف المناسبة لتحقيق تطلعات الحرفيين اليدويين أينما كانوا، كما يقدّم الدعم والمساعدة اللوجستية لهم، وينظم اللقاءات والمعارض والندوات، فضلاً عن إتاحة فرص التعارف وتبادل الخبرات.

وكان مجلس الحرف العالمي قد أعلن فوز مادبا بهذا اللقب العالمي وأبلغ رسميا وزارة السياحة والآثار به، بعد أن تقدّمت الوزارة بملف متكامل أعدّه فريق مختص من معهد فن الفسيفساء والترميم ووزارة السياحة ومديرية سياحة وآثارمادبا ومديرية آثار مادبا.

وزار وفد يُمثل خبراء من مجلس الحرف العالمي مدينة مادبا، خلال شهر يوليو من العام الماضي، واطلع على المواقع الأثرية، التي تتميز بأرضياتها الفسيفسائية داخل المدينة، كما زار معهد فن الفسيفساء والترميم، وأشاد بدوره المهم في الحفاظ على هذا الفن التاريخي وبقدرته على تدريب الأيدي العاملة والدفع بها إلى السوق المحلية.

ووصفت وزيرة السياحة والآثار لينا عناب فوز مادبا بهذا اللقب العالمي بأنه يمنحها قيمة سياحية مهمة، تضاف إلى إرثها الحضاري العظيم المتمثل في الكنوز الأثرية فيها من كنائس تاريخية ومعالم بارزة في مسار السياحة الدينية.

وقالت، إن هذا اللقب يضع مادبا في مكان مميز على خارطة السياحة العالمية في مهنة الحرف اليدوية وحرفة الفسيفساء.

وأشارت إلى أن ذلك يؤدي إلى دعم الاقتصاد والسوق المحلية في مادبا، مثلما يؤدي إلى تعزيز حركة السياحة فيها وتنشيط الأداء السياحي المؤدي إلى التنمية وخلق فرص عمل جديدة.

وأعلنت عناب أن وزارتها تنسق مع مجلس الحرف العالمية لتنظيم معارض عالمية للحرف اليدوية وحرفة الفسيفساء في مادبا للتعريف بهذا الفن التاريخي المميز وبالجهود الوطنية التي تبذل في سبيل الحفاظ عليه وديمومته.

شكوى البائعين

تمُوجُ شوارع مادبا، يوميا، بأفواج من السياح الأجانب، الذين يقصدونها من جميع دول دول العالم، وبلغ عدد زوار محافظة مادبا 147 ألفاً و900 زائر في العام 2016، فيما بلغ عددهم سنة 2015 نحو 126 ألفاً، ما يدل على تحسّن ملموس في أعداد الزوار.

معهد فن الفسيفساء والترميم يضم معرضا كبيرا للوحات التي ينجزها الطلبة، وهي معروضة للبيع لهواة الهدايا التذكارية

ولابد أن تسير أفواج السائحين في شارع السياحة لتشتري قطعاً تذكارية من فسيفساء المدينة، كبيرة أو صغيرة، من معارض القطع التذكارية، التي تحتل أبنية قديمة في مادبا.

ويكشف صاحب أحد أكبر معارض القطع التذكارية موسى بشارة حداد عن أن السياح ليسوا كلهم يشترون القطع التذكارية، فهناك سياح يقصدون المدينة من دول فقيرة وينتمون إلى شعوب كادحة وهؤلاء لا يقتنون القطع.

ويقتصر البيع على الأجانب المقيمين

في الأردن أو الطلبة الأردنيين، أو على الأردنيين المقيمين في الخارج، الذين يزورون ذويهم وعندما يعودون إلى بلاد الغربة يحملون معهم هدايا لأصدقائهم، أو السياح القادمين من أميركا والدول الأوروبية وهؤلاء قلة الآن.

ويقول إن تجارتهم في الماضي كانت أنشط وكانوا يبيعون منتجاتهم أكثر من اليوم، قبل أن تعصف الظروف المعقدة بالمحيط الإقليمي، الذي يقع ضمنه الأردن، ومخاطر الإرهاب، التي تمثلها داعش والميليشيات الطائفية في المنطقة، والتي جعلت معظم السياح يعزفون عن القدوم إلى دول المنطقة.

بقي أن نقول إن استخدام الفسيفساء قديم جدا حيث يرتقي إلى أيام السومريين ثم الرومان، إذ شهد العصر البيزنطي تطوّراً كبيراً في صناعة الفسيفساء ودخلت في صناعته مادتا الزجاج والمعادن، وشاع استخدام الفسيفساء بنحو كبير في القرنين الثالث والرابع الميلاديين باللون الأبيض والأسود.

وشهد هذا الفن براعة في تصوير حياة البحر والأسماك والحيوانات، ثم جاء العرب ليصنعوا أشكالاً هندسية في الفسيفساء الإسلامية، ويتجسد ذلك في الجامع الأموي بدمشق وقبة الصخرة في القدس.

ومرّ تطور الفسيفساء بمراحل عديدة حتى بلغ قمته في العصر الإسلامي، مما يعطينا صورة واضحة عن تجليّات الحضارة الإسلامية في عصورها المزدهرة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر