الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

يد التكنولوجيا البيضاء

يتوجه الفنانون المعاصرون أكثر فأكثر بغض النظر عن أعمارهم إلى نمط الفن الهجين، أو الفن الديجيتالي الحصري الذي يمكنهم من التحليق خارج الحدود المعهودة وخارج مظاهر العالم الواقعي.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/02/03، العدد: 10532، ص(17)]

لم يعد مقبولا القول إن فنون ما بعد الحداثة التي تستخدم التقنيات التكنولوجية المتطورة، إن بشكل حصري أو من خلال تطعيم الأشكال التقليدية في التعبير، ليست بفنون ومجرد خزعبلات تكنولوجية متأثرة بأفكار غربية هدّامة. لا نظرية المؤامرة على الهوية الشرقية مازالت تلاقي رواجا في وسط المطلعين على خصوصية هذه التطورات الفنية، ولا القول إن الأعمال الفنية القيّمة، هي فقط تلك التي تنفذ بالألوان ووفق معايير فنية معروفة وبشكل يدويّ يظهر الجهد الفيزيائي الذي وضعه الفنان لتنفيذ العمل، وهي وحدها الأعمال التي تستحق المشاهدة.

كما لم يعد من الممكن الاستهانة بالفرص الذهبية التي تقدمها التكنولوجيا للفن ولممارسيه في توسيع أفق التعبير والاختبار والبحث عن عوالم أخرى مجهولة حتى الآن. منذ منتصف الستينات من القرن الماضي برز ما سُمي بـ”الميديا آرت”، وهو فن لا حدود لتوسعه إن من ناحية التقنيات أو من ناحية الأفكار. تنضوي تحت هذا الفن كل الفنون مجتمعة، أضف إليها التقنيات التكنولوجية المُتسارعة التطور والتي ساهمت بشكل محوري في تغيير منطق التفكير كما التعبير الفني، حتى أن بعض المهتمين بهذا النمط من الفن استنبطوا له اسما جديدا، وهو “السينما الجديدة”، لأنه قادر على استيعاب كل ما تعرض عليه من وسائط ديجيتالية وتفاعلية ومن ضمنها أشكال الاستشعار التي تحاكي العالم الواقعي من قبيل حاسة الشم والتذوق واللمس.

إن كنا فعلا من الذين يؤمنون بأن الفن ابن عصره، ونؤمن أنه الصياد الأسطوري المفطور على دوام الصيد ولن يتوانى حتى عن الاصطياد في مياه العالم العكرة، فعلينا أن نقر بجمالية، لا بل بشعرية التكنولوجيا التي صنعها الإنسان تماما لذات الأسباب التي دفعت بالشاعر الأندلسي والفيلسوف والعالم الفيزيائي أبوالقاسم عباس بن فرناس بأن يكون الحالم وصياد حلمه على السواء، في محاولته صناعة أجنحة مكنته من الطيران ولو للحظات، كذلك الأمر بالنسبة إلى عملاق الفن الإيطالي ليوناردو دافينشي الذي كان عالما جليلا أيضا حلم بالطيران وحاول تحقيقه.

يتوجه الفنانون المعاصرون أكثر فأكثر بغض النظر عن أعمارهم إلى هذا النمط من الفن الهجين، أو الفن الديجيتالي الحصري الذي يمكنهم من التحليق خارج الحدود المعهودة وخارج مظاهر العالم الواقعي الذي دخل هو الآخر في دوامة التغيرات، تغيرات على جميع الأصعدة استدعت تمثيلا جديدا يليق بتغيراتها. لم تعد الألوان الزيتية أو الأكريليكية أو غيرها من الأساليب التقليدية المستخدمة في التعبير الفني قادرة لوحدها على تلقف هذا العالم المتعدد الوجوه، والعائم في الخيال والواقع على حدّ سواء.

قد يعترض البعض، خاصة في عالمنا العربي، على الفنانين الذين يعتمدون هذه الطرائق الفنية، بحجة أنهم يستخدمون الآلات وأن أعمالهم ليست أعمالا يدوية، أو أنها تتميز بالكثير من التشفير والترميز، أو أنهم لأجل تنفيذها يستقدمون مساعدين فنيين وتقنيين، وأن ذلك يتعارض مع المشاعر الإنسانية الخاصة بكل فنان وبكل لمسة يد يكون بها عمله الإبداعي.

ولكن منذ متى؟ وهل كل عمل يدوي هو فنيّ لمجرد كونه يدويا؟ ومنذ متى كان العمل الفني تقاس قيمته بعدد الأيام أو السنين التي صرفها الفنان على تنفيذه؟ لا يحتاج الفن أن يكون بسيطا أو معقدا ليستحق الاهتمام، كما ليست التكنولوجيا هي “مُفسدة” الفن والهدّامة للتعاطف وللحميمية. من يقف وراء تحديد ماهية الفن ودوره هو الفنان/العالم/المروّج، لعل أبلغ من تكلم عن هذه النقطة بالذات وفي أكثر من مناسبة هو فنان “الفيديو آرت” الأكثر رهافة وإنسانية بيل فيولا، حين قال “ليست الثورة الديجيتالية هي القاتلة للشعر وللقيم الإنسانية، إنما مُحركها هو القاتل”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر