الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

أعطني سوناتا بيانو

فقد قرأت لشخص ما في السعودية أنه كان في مكتبة وسمع فجأة أنشودة “نحن غرابا عك عك” من فيلم هجرة الرسول، وتبين أن النشيد الجاهلي رنّة هاتف.

العرب حسين صالح [نُشر في 2017/02/07، العدد: 10536، ص(24)]

عندما كان ولدي صغيرا كنت أرسله إلى النوم بحكاية. كنت أستمتع بتلك الساعة من اليوم حيث لا رقيب على خيالي سوى طفل في الرابعة. فأروح أؤلف وأمثّل وأختلق مؤثرات صوتية وبصرية لإثارة الجمهور المؤلف من متفرج واحد عمره، كما قلت، أربع سنوات وتعوزه المهارات النقدية ويسعد بأي شيء. وأنا أحب هذا النوع من الجمهور وأتمنى أن أقدم ما لدي دائما إلى متلقين ممتنين.

في أثناء إحدى الحكايات قلت إنهم “هرعوا إلى التليفون وطلبوا الطبيب” وبينما كنت أقول هذا أدرت سبابتي في الهواء كمن يرسم نصف دائرة تعبيرا عن إدارة قرص التليفون. لاحظت ان ولدي راح ينظر بحيرة عما أفعل: السبابة تلف وتدور وترسم أنصاف دوائر، لماذا؟ انتبهت حينها إلى أن ابني مولود في التسعينات ولم ير تليفونا ذا قرص يديره طالب الرقم بسبابته.

التليفون القديم ذو قرص جميل وله حضور. وزنه نحو كيلوغرام ويمكن أن تقتل به أحدا وتكسر رأسه. بل ويمكن أيضا أن تقتل أحدا خنقا بالسلك الواصل بين السماعة وجسم التليفون. هناك جرائم قتل كثيرة نفذها القاتل بالتليفون، في السينما على الأقل. التليفون الآن، وخصوصا ما يعرف بالهاتف الذكي، تافه جدا ولا يتجاوز وزنه المئة غرام. جرب أن تقتل أحدا بالآيفون. لا وزن مؤثرا عنده، وما به سلك للخنق ولا حافات حادة ولا شيء.

ثم إن التليفون القديم كان يعطيك فرصا للتعبير عن الذات لم تعد متاحة مع الآيفون والأندرويد. التليفون القديم يتيح لك أن تغلق الخط بغضب وتنفس عن غيظك، كما نبهني صديق أول أمس. يعني تستطيع أن تصفق السماعة كمن يردّ الباب بوجه رجل يطرده بغضب. التليفون “الذكي” لا يتيح لك سوى لمس الهاتف برقة وعذوبة وحتى حين تكون غاضبا فائرا من محدثك يتعين عليك أن تمسح بلطف ونعومة على صفحة الهاتف كمن يزيح خصلة شعر نافرة من وجه حبيبته. التليفون القديم كان يمتص شيئا من غضبك بأن تعيد السماعة إلى مهدها بحركة قاسية صاخبة، الهاتف الحديث يزيد من غضبك بإجبارك على الانتهاء من حديث غاضب باللمسة الحنون لإنهاء المكالمة.

هذا كله ولم نصل بعد إلى مسألة الرنين. التليفون كان له رنين يصدر عن جرس داخله. وهو رنين رتيب ومعروف ولا يشبه رنين الباب أو جرس الإنذار. وهو ملازم للتليفون حتى يومنا هذا، نقول “أعطني رنّة” أو “رن لي” في حين أن الهاتف الحاد الذكاء هذا لا يرن وليس به جرس. به مقطوعات موسيقية لا تعدّ ولا تحصى. هل تقول لصاحبك “أعطني سوناتا البيانو رقم 23 في مقام فا الصغير لبيتهوفن غدا لتذكّرني؟”، بدل “أعطني رنّة ونبهني”.

وليت الأمر يقتصر على سوناتات البيانو لبيتهوفن أو غيره. فقد قرأت لشخص ما في السعودية أنه كان في مكتبة وسمع فجأة أنشودة “نحن غرابا عك عك” من فيلم هجرة الرسول، وتبين أن النشيد الجاهلي رنّة هاتف.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر