الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

'منال' حالة إنسانية تتحول إلى معرض تشكيلي

  • يقدم الفنان التشكيلي السوري أنس البريحي في صالة “آرت سبيس” البيروتية معرضا فنيا مميّزا تحت عنوان “منال”. المعرض ندر أن نشاهد مثله سواء من ناحية الموضوع الذي يعالجه الفنان أو من ناحية مدى التورط الشعوري في الموضوع المُعالج، والذي جعل من لوحاته تنبض بالصدق والقدرة على التعرف على الذات من خلال الآخر المُغاير له على أكثر من صعيد.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/02/17، العدد: 10546، ص(17)]

موديل شيق

بيروت – يعيش الفنان السوري أنس البريحي حاليا في بيروت، حيث انتقل إلى العيش محاولا أن يبني له عالما جديدا مازال مرتبطا شديد الارتباط ببلده سوريا وبكل ما عاشه واختبره عن كثب، ومن تلك التجارب التي عاشها بعمق تعرفه على جارته منال التي كان الكثيرون يفرون منها أو يسخرون منها بسب إصابتها بمتلازمة تثلث الصبغية، أو ما يعرف بـ”داون سيندروم”، ومن هناك جاء عنوان معرضه الجديد “منال” الذي تحتضنه صالة “آرت سبيس” البيروتية.

ويقول الفنان إن اللوحات في المعرض تظل شاهدة على تجربة خاصة ساهمت في توسع نظرته إلى ذاته عبر العودة إلى لحظات ومشاعر طفولية، هي أساسية في البنيان النفسي لكل إنسان ولكل فنان بشكل خاص.

ويبدو أن تواصل الفنان مع منال ومواظبته على رسمها في جلسات متعددة ساهم في إضاءة البسمة على وجهها، إذ وجدت فيه صديقا متفهما ومصغيا إلى أقاصيصها وأفكارها، وفي ذات الوقت وهبت منال الفنان القدرة على الابتعاد عن وحشية العالم وعلى تحفيز الشعور بذلك الألق الإنساني الذي لا يُنسج إلا ببطء، كما تبرعم الزهور ضاحكة في سرها تحت وطأة مطر ما قبل الربيع.

يقول أنس البريحي إنه في يوم من الأيام كان يقف على شرفة منزله، فرأى منال بثيابها الملونة تعبر أمامه بهدوء وهي حاملة دميتها، حاول أن يسلم عليها، ولكنها لم تعره أي اهتمام لأنها تعودت على سخرية الآخرين منها، ومع الوقت بدأت ترتاح إلى وجوده. أخذ الفنان بمراقبتها ورسمها يوما بعد يوم حتى جاء اليوم الذي طلب منها أن يرسمها وهي جالسة في منزلها.

يضيف الفنان أنها حينها استغربت، وسألته “لماذا تريد أن ترسمني؟”، فأجابها بأنه يريد ذلك لأنها جميلة، لقد أسرّ هذا الكلام منال واستطاع الفنان أن يكسب ثقة أهلها بشكل أكبر، وخاصة أنهم جيران منذ فترة طويلة جدا، حيث أن والدته التي توفيت مؤخرا كانت تقوم بخياطة ثياب لمنال بالشكل الذي كانت تريده وبالألوان التي كانت تحبها.

البريحي لا يدخل المشاهد لـ(منال) في روتين الدعوة إلى قبول المجتمع لأفراد مختلفين عنه، بل يجعله يتفاعل معهم

صار يزورها في بيتها ويباشر في رسمها، وكانا يتحادثان طويلا عن حياتهما واهتماماتهما ويضحكان ويتكلمان عن أحلامهما، ثم صارت منال تزوره في مرسمه وتشاركه الرسم على جدران الغرفة بطباشير ملونة وبفرح مؤثر. وثابر الفنان على الاتصال بمنال عبر “السكايب” بعد مغادرته سوريا، وانتقل إلى رسمها من خلاله بعد أن كان لا يرسمها إلا مباشرة وهي جالسة أمامه.

يقول البريحي إن تعرفه على منال عن كثب وشروعه في رسمها، شجعاه على إكمال دراسته الفنية في مجال العلاج عن طريق الفن، وقد برع البريحي من دون شك في إرساء قواعد الجسور ما بين الفن وكل ما يمكن أن يقدمه إلى الآخر وإلى الذات في الآن ذاته.

الناظر إلى لوحاته سيكتشف سريعا أنه فنان بالغ الحساسية تمكن من رؤية جارته المميزة، كما لو أنها موشور ضوء انتشرت منه جميع ألوان المشاعر الأكثر نقاء وعفوية.

لوحات مُتنوعة تنضح بصدق لافت وقدرة شعورية وبراعة تقنية على التقاط خواطر ومشاعر منال، يضيف الفنان إليها انطباعاته الخاصة ويشحن خلفياتها بتفاصيل بصرية هي جزء من عالمها الورديّ كالزهور ودميتها ورسوماتها الصغيرة وأحلامها.

في المعرض لوحة تظهر منال حاملة ورقة بيديها تريها للفنان وللمُشاهد بطبيعة الحال، قالت إنها صورت فيها وجه أنس البريحي، هذه اللوحة هي ربما من أجمل اللوحات وأكثرها تأكيدا على الثقة الوطيدة التي تأسست بين الاثنين: الفنان الحاد البصر والبصيرة وموديله الشيّق.

تدعم لوحات الفنان التعبيرية قول الفنان إنه استطاع ملاحظة تحول في شخصية منال مع مرور الزمن، إذ بدأت تختار وضعيات وأماكن جلوسها وألوان ملابسها بتأن وبعفوية في آن واحد، كما أصبحت أكثر انفتاحا على الآخرين وأكثر فرحا وصارت إمكانية الثقة في الآخر حالة غير مستحيلة.

لا يدخلنا أنس البريحي في دوامة وروتين الدعوة إلى قبول ودعم المجتمع لهؤلاء الأفراد المختلفين عن الآخرين، ولا يجعل من موضوعه بوابة لمواعظ اجتماعية، بل يجعلنا من خلال معرضه التعبيري ندخل إلى عالم منال التفاعلي الذي ينبض بمختلف الخواطر والمشاعر من ملل وفرح، وحزن، وترقب، وثقة في النفس وتردد ومواربة، عالم ترك أثره على الفنان وفي نظرته إلى الحياة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر