الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

فرانك فالتر شتاينماير رئيس ألمانيا الجديد الذي يحذر من 'قرع طبول الحرب'

شتاينماير يعرف بلقبه الشهير 'الكفاءة الرمادية'، وكان الساسة الألمان يرمون من وراء نعته بهذا اللقب إلى القول إنه كان يتمتع بنفوذ خفي تحت الطاولة.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/02/19، العدد: 10548، ص(7)]

سياسي بارع يفهم روسيا وأوروبا والعالم بطريقة مختلفة

برلين - ابن النجار البسيط الذي قامت الجمعية الاتحادية في ألمانيا بانتخابه، الأحد الماضي الثاني عشر من فبراير الجاري، رئيساً جديداً لألمانيا. الجمعية الاتحادية تضم 1239 عضواً من نخبة ألمانيا، ما بين سياسيين ومفكرين وفنانين وممثلين عن منظمات المجتمع المدني وأناس عاديين ونواب من البرلمانين البرليني والمناطقي، مجلس النواب “بوندستاغ” ومجلس الولايات “بوندسرات”. وقد منح هؤلاء لوزير الخارجية السابق فرانك فالتر شتاينماير 9311 صوتاً، وبأغلبية كبرى.

في مواجهة ميركل

ولد شتاينماير في ديتمولد في العام 1956، لوالد ينتمي إلى الأقلية الكالفينية الإنجيلية المسيحية في ألمانيا. أما أمّه فألمانية بولندية، ذهب فرانك فالتر إلى الخدمة العسكرية قبل أن ينهي دراسته الجامعية، ثم عاد والتحق بجامعة غيسن ودرس القانون والعلوم السياسية.

وأنهى دراسته في أواسط الثمانينات من القرن العشرين ليعمل أستاذاً مساعداً لمادة القانون العام في الجامعة ذاتها، متابعاً دراساتها العليا حتى حصل على الدكتوراه في القانون بداية التسعينيات من القرن الماضي وكانت أطروحته عن دور الدولة في منع حدوث حالات التشرد.

عمله في الاستشارات القانونية خوله تولي منصب مستشار رئيس ولاية سكسونيا السفلي، الذي كان يدعى غيرهارد شرودر، الذي سيكون له مستقبل كبير في ألمانيا بعد سنوات، حين سيصحب معه شتاينماير إلى برلين ليولّيه منصب رئيس مكتب المستشارية بعد فوزه في الانتخابات، ومستشاراً أعلى لشرودر.

استحق شتاينماير لقبه “الكفاءة الرمادية” بسبب مواقفه أثناء مرحلة إصلاحات شرودر التي عرفت بـ”أجندة 2010” وأزمة “الحمر” و”الخضر” في البرلمان. وكان الساسة الألمان يرمون من وراء نعت شتاينماير بهذا اللقب إلى القول إنه كان يتمتع بنفوذ خفي تحت الطاولة.

تقول دويتشه فيليه إن انتخاب شتاينماير على الصعيد الداخلي “يشكل مؤشراً جديداً على الضعف السياسي لميركل قبل أقل من سبعة أشهر من الانتخابات النيابية، في مواجهة الاشتراكيين الديمقراطيين هذه المرة”.

ويقول مايكل برونينغ، الخبير السياسي في “مؤسسة فريدريش أيبرت” المقربة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، إن “انتخاب شتاينماير من وجهة نظر الاشتراكيين الديمقراطيين هو المقدمة لشيء أهم بكثير؛ الفوز في انتخابات سبتمبر ضد ميركل الذي كان لا يزال يبدو مستحيلاً حتى قبل فترة قريبة”.

وتضيف وكالة الأنباء الألمانية “اليوم تعاني ميركل من منافسة حركة البديل من أجل ألمانيا التي تستقطب من 10 إلى 12 بالمئة من الأصوات، وعليها أن تراعي التذمر لدى فريقها السياسي، الناجم عن قرارها في 2015 بفتح أبواب البلاد لاستقبال مئات الآلاف من اللاجئين. وعلى اليسار، حيث استقطبت ميركل حتى الآن كثيراً من الدعم بسبب سياستها الوسطية، يسجل الاشتراكيون الديمقراطيون تنامياً ملحوظاً في نوايا التصويت منذ اختاروا رئيساً عالي النبرة، هو الرئيس السابق للبرلمان الأوروبي مارتن شولتس”.

أزمة أوكرانيا واجتياح روسيا لشبه جزيرة القرم، لحظة تبرز صلابة شتاينماير الذي أصر على تثبيت موقف ألمانيا، بحيث تدعم العقوبات على روسيا، ولكن تبقي الحوار معها دائرا. لذلك فإن جميع الأفكار المنفتحة على روسيا، كان شتاينماير هو مصدرها، مثل "المائدة المستديرة" حول أوكرانيا في العام 2014 وغيرها

المخابرات والسياسة الخارجية

منح شرورد ثقته لشتاينماير ليكون مشرفاً على عمل جهاز المخابرات الألماني، وإعادة هيكلته وتنظيم مهامه. وفي العام 2003 كان شتاينماير يفاجئ العالم بموقفه من تأييد نشوء تحالف دولي ألماني روسي فرنسي ضد الولايات المتحدة وبريطانيا، وضد الحرب على العراق.

كان شتاينماير يمثل الجرأة في السياسة الألمانية قبل قدوم ميركل. وحين وصلت إلى منصب المستشارة في الثاني والعشرين من نوفمبر من العام 2005 اختارته ليكون وزيراً للخارجية في حكومة الوحدة الوطنية التي شكلتها. وعندها بدأ شتاينماير يقدّم ألمانيا كقائد أوحد للاتحاد الأوروبي بعد أن توّلت بلاده رئاسة مجلس الاتحاد في العام 2007. وما لبث أن أصبح نائباً لميركل رغم أنه ينتمي للحزب المنافس (بي أس دي) لها والذي تشكل منه الائتلاف الحكومي.

علاقته مع ميركل كان لها طابع التكامل والتناقض في الوقت ذاته، فحين ترفع المستشارة نبرتها في الشؤون الخارجية، نجد أن شتاينماير يخالفها في الرأي فيخفف من حدة الانتقادات الموجهة إليها من قبل الخصوم. ما صنع توازناً من نوع خاص، يشي بأن هناك تبادلاً ما للأدوار تلعبه ميركل مع شتاينماير كلما اقتضت الحاجة.

عرف شتاينماير بموقفه الحاد من إيران، بينما كانت ميركل أكثر توتراً. ودعّم بقوة على النقيض من ميركل، انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

رسم سياسات الاتحاد

بناء على هذا التناقض تولدت قطبية في ألمانيا ما بين شتاينماير وميركل، حيال روسيا على سبيل المثال، فوزير الخارجية لم يكن يرغب بعزل روسيا، بل بتقريبها أكثر للمواقف الأوروبـية. فأعلن في العام 2008 ما سمّاه “الشراكة الألمانية للتجديد مع روسيا” والتي اعتبر المراقبون أنها صارت سياسة عامة للاتحاد الأوروبي بدءاً من العام 2010.

لكن سياسة شتاينماير المنفتحة على روسيا، والتي حذّر ذات مرة بأنها تهدف لتجنب “قرع طبول الحرب” تسببت له بالمشاكل مع البرلمانين، فقد تم استجوابه ليكشف ما خفي حول علاقته بروسيا، خصوصاً بعد اغتيال معارضين لبوتين.

لكن مواقف شتاينماير تلك، حيال روسيا، تسببت بغضب أميركي كبير تجاهه. وكرهه معارضو بوتين، واحتفلوا حين خسر شتاينماير وحزبه الديمقراطي الاجتماعي الانتخابات العامة أمام ميركل في العام 2009.

لكن شعبية شتاينماير واحترامه الكبيرة من قبل الشعب الألماني، بقيا ينافسان ما تحظى به ميركل، رغم انتصارها عليه. بل إن شتاينماير كان يتفوّق في بعض الأحيان على المرأة الحديدية الألمانية.

لشتاينماير بصمات خاصة يستشعر الأوروبيون حساسيتها، تعيده كل مرة إلى الصدارة، رغم الاضطرابات السياسية التي شهدتها مسيرته، فبعد خسارته للانتخابات، توجه إلى المستشفى للتبرع بكليته لزوجته. هذا الموقف رأى فيه الشعب الألماني موقفاً أبعد من صلافة السياسيين وعدم تحملهم لمسؤولياتهم. عرف شتاينماير أن مكانه ليس في الحكم، لكن في معارضة ذلك الحكم، ولذلك فقد انسحب من الانتخابات التالية في العام 2012.

سياسي محنك

شتاينماير والعالم الجديد

جاءت الفرصة من جديد لشتاينماير ليصنع سياسة بلاده الخارجية، بعد تولّيه للحقيبة مرة ثانية في العام 2013. حينها قرر الرجل إعادة النظر في كل مساره السابق. فقابل أكثر من مئة وعشرين ألف سياسي وخبير ألماني، ليسمع منهم آراءهم حول السياسة الخارجية الألمانية وما يجب أن تكون عليه.

حين اندلعت أزمة أوكرانيا واجتاحت روسيا شبه جزيرة القرم، أصر شتاينماير على تثبيت موقف ألمانيا، بحيث تدعم العقوبات على روسيا، ولكن تبقي الحوار معها دائراً. وجميع الأفكار المنفتحة على روسيا كان شتاينماير هو مصدرها، مثل “المائدة المستديرة” حول أوكرانيا في العام 2014، ومجموعة اتصال النورماندي التي عقدها شتاينماير في برلين بخصوص أوكرانيا.

أما حول ليبيا فقد استطاع الألماني الهادئ في العام 2015 أن يستضيف وفدي الحكومتين الليبيتين المتناحرتين، اللتين كانتا تقتتلان من أجل السيطرة على البلاد، والمبعوث الخاص للأمم المتحدة برناردينو ليون، لبحث مبادرة السلام واقتسام السلطة التي ترعاها الأمم المتحدة على الرغم من الانقسامات بين بعض الأحزاب.

وبالطبع كان له الدور الكبير في تأسيس وعقد اجتماعات المجموعة الدولية لدعم سوريا، وصولاً إلى فيينا في خريف العام 2015. وظهر دوره كبيراً في إقناع الوفد السعودي بالجلوس أمام الإيرانيين في قاعة واحدة.

ضد الشعبوية

الإعلام الألماني يصف انتخاب شتاينماير بأنه خطوة في وجه الشعبوية التي مثلها انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصعود اليمين القومي في أوروبا. وأنه إعلان ألماني صريح على التمسك بالديمقراطية والمبادئ العالمية لحقوق الإنسان والمساواة بين الجميع. لا سيما وأن شتاينماير كان قد وصف ترامب في أغسطس من العام 2016 بأنه “مبشر بالكراهية”.

لكنّ تعبيراً صدر عن جمعية هيومن رايتس ووتش، بحق شتاينماير يجعل المراقب يفكر قليلاً في طبيعة الرجل الذي يمثل اليوم التوافق الألماني على الديمقراطية. كان ذلك التعبير يصف شتاينماير بأنه “مؤيد للسياسة الواقعية، عندما يتعلق الأمر بدول مثل روسيا والصين حيث لا قيمة تذكر لحقوق الإنسان”. وهذا يعني أن الوصفة الألمانية باتت أقرب إلى الواقعية من المبدئية هذه الأيام.

رد شتاينماير على نموّ الأحزاب السياسية الرافضة للبقاء في الاتحاد الأوروبي، وعرض على لندن دعما محدودا لإعادة التفاوض على معاهدات الاتحاد الأوروبي، قائلا إن “ألمانيا تريد أن ترى تأثير بريطانيا في وسط الاتحاد الأوروبي، وليس على الهامش”. لكنّ أمله خاب بعد تصويت بريطانيا على مغادرة الاتحاد، واعترف بأن الأخير ينقصه التماسك.

وقال شتاينماير مؤخراً في ميونيخ “أريد بصفتي رئيساً أن أكون الثقل الموازي للاتجاه بلا حدود إلى تبسيط الأمور. لأن ذلك هو أفضل علاج للشعبويين”.

أما صحيفة “برلينر مورغنبوست” فقد كتبت إن شتاينماير “يريد أن يكون رئيساً معارضاً لترامب”. علماً أن منصب الرئيس هنا، في ألمانيا، يعتبر منصباً فخرياً، فهو لا يتمتع بأيّ سلطة فعلية، غير أنه يوقّع على كل القرارات ولديه نفوذ معنوي ومكانة اعتبارية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر