الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

ظل القازدوغلي

كثير ما يلوم البعض الطبقة الوسطى في المجتمعات العربية، ويتهمها بأنها ضعفت ورقّت حتى تحكّم بها من هم فوقها ومن هم تحتها. وهي التي كانت تحمل التنوير.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/03/03، العدد: 10560، ص(24)]

من بين القازدوغلية، كان الحق على عبدالرحمن القازدوغلي تحديدا. فقد كان “كتخدا” مصر وتعني محافظ مصر، وهو الذي بنى عماراتها القديمة الجميلة، وهو الذي أراد لها أن تتحضر باكرا، بالقوة. وهو الذي أنشأ القناطر وأكمل عمارة الأزهر كما يقول الجبرتي. ولكن القازدوغلي لم يفعل ذلك كله، بيديه، بل بأيدي أبناء الطبقة الوسطى المثقفة التي عاشت قبله في مصر وازدهرت حياتها في مدنها.

وكثيرا ما يلوم البعض الطبقة الوسطى في المجتمعات العربية، ويتهمها بأنها ضعفت ورقّت حتى تحكّم بها من هم فوقها ومن هم تحتها. وهي التي كانت تحمل التنوير، منتجة المناهج الدراسية والقوانين والعلاقات الاجتماعية، والأحزاب، والمشايخ، والحشود.

وحين تقرأ كتاب “ثقافة الطبقة الوسطى في مصر العثمانية” لنيلي حنا، يدهشك أن بيتا واحدا، في مجتمع كامل، هو بيت القازدوغلي، كان قد تمكن من تدمير أحلام الطبقة الوسطى بالتمدن، فسحب الثروات من أيدي أصحاب المهن والموظفين، فجاع الناس وانقضوا على المدن. حتى وصف المستشرق الفرنسي أندريه ريمون أولئك الجوعى بـ “الزّعر” أو “الرعاع” أو “الأوباش”.

لم يكن عالم الطبقة الوسطى مزدهرا في مصر وحدها. فذات مرة أدخلني أحد أبنائها القدامى في المشرق، وكان حفيدا لكاتب مسيحي من كتاب السلطان العثماني، إلى قاعة مهجورة في الطابق السفلي من خان جدّه الكبير. فإذا بها تحوي وثائق البيع والطلاق والزواج والمواليد لدمشق وما حولها، مكتوبة بالخط الهمايوني. وكان يمكنك أن تقرأ فيها عن حياة الناس المنظمة الرائقة العادلة تلقائياً، ومن أمثلة ذلك القضية ذات الرقم “1583” والمنظورة في العام ذاته، أي قبل تأسيس الولايات المتحدة بمئتي عام، لدى القاضي عبدالغني الصالحي الحنبلي، وفيها: استأجر محمد بن الحاج خليل بن جمعة من أهالي قرية عقربا من هارون بن سليمان اليهودي الصبّاغ، ما هو في ملكه الشرعي بالطريق الشرعي. وذلك جميعُ البغلة الحمراء اللون، المدوَّرة القد، المخطّمة إجارة شرعية، على الشروط التالية؛ مدّة العقد سنة واحدة كاملة متوالية أولها يوم 15 ذي القعدة سنة 991 هـ، أجرة الشهر الواحد: 30 قطعة فضة، محل الأجرة: في ختام الشهر إذا لم يدفع المستأجر أجرة شهرين متواليين يُلغى العقد. للمؤجر في ذمة المستأجر: عشرة أحمال شيح، يسلّمها له بواقع حملٍ واحدٍ في كل أسبوع. تصادق الطرفان على ذلك، وثبت العقد في 15 ذي القعدة الحرام، سنة 991 هـ.

وعلى سيرة الأحمال، فقد كان يتجمع عند باب السلام القديم في دمشق، شرق باب الفراديس، باعة التراب الذين يسميهم الناس بـ”الترّابة”. يوزعون أحمال التراب، على الشغيلة الذين ينقلونها على ظهور الحمير، إلى حيث يبني المعمرباشية البيوت العربية الفاتنة. وهناك اخترع الماكرون من أبناء الطبقة الوسطى مثلا يعبر عن بعض الفئات الحائرة في المجتمع يقول “رايحين جايين متل حمير الترّابة”.

صحيح أن نخبنا والمنافحين عنا “رايحين جايين”، لكننا لم نكن على خطأ في تصورنا، نحن العرب، عن حياة التمدّن التي كنا عليها حتى عهد قريب قبل أن يخربها هذا القازدوغلي أو ذاك.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر