الاثنين 22 مايو/ايار 2017، العدد: 10640

الاثنين 22 مايو/ايار 2017، العدد: 10640

تونس.. زمن العقلاء

في زمن يغيب فيه الزعماء يأتي دور العقلاء، لتجنيب البلاد محن الفرقة والتفكك ولوضعها على درب التغيير والإصلاح، فيثبت بذلك التونسيون للعالم أنهم جديرون بالحرية والديمقراطية وأنهم قــادرون على حــل مشاكلهم بالحوار والوفاق.

العرب عبدالحفيظ الهرقام [نُشر في 2017/03/16، العدد: 10573، ص(9)]

إنَّ النّاظر في المشهد العامّ السائد في تونس اليوم، لا يملك إلا أن يستخلص بكثير من القلق والحيرة تصدّع الوحدة الوطنيّة، هذا المبدأ الجوهري الذي قامت على أساسه حكومة يوسف الشاهد عند تشكيلها.

تصدّع يضعف الدولة ويهدّد الأمّة جمعاء في كيانها ومستقبلها، وذلك بسبب تشتّت السلطات، في ظلّ نظام سياسي هجين جاء به دستور يناير 2014، وتصاعد نفوذ اللوبيات في الأوساط السياسية والاقتصادية والإعلامية وترسّخ الشعور لدى البعض بالإفلات من المحاسبة والعقاب، علاوة على تنامي ظواهر الشعبويّة والجهويّة والفئويّة.

يحدث كلّ هذا والبـلاد تعيش منـذ سنوات أوضـاعا حرجة للغـاية جرّاء التـدهور المفزع لحالة الماليّة العمومية، وتفاقم عجز الميزانية والميزان التجاري، وارتفاع نسبة المديونيّة، والانخرام المتزايد للتّوازنات الماليّة للصناديق الاجتماعية، إضافة إلى تزايد حجم البطالة، والتقصير في محاصرة التّهريب، دون إغفال ما تستـوجبه الحـرب على الإرهـاب من تضحيات بشريّة وماليّة هامّة، ومن يقظة مستمرّة لدرء مخاطره المتوقّعة في كلّ آن وحين.

كان المؤمّل من خلال “اتّفاق قرطاج” أن تحظى الحكومة بمساندة قويّة من مختلف الأحزاب والمنظّمات الموقّعة عليه بعد التقاء وجهات النظر حول تشخيص الوضع وخطط تحرّك لمعالجته وفق أولويات وآليات حُدّدت للغرض.

غير أنّ حكـومة يوسف الشاهد تجد نفسها اليوم في شبه عزلة في مواجهة مشاكل مستعصية لا حصر لها، وسخط شعبي متزايد نتيجة ضائقة اقتصادية مستحكمة، وتردّي الأوضاع المعيشية لعدد وافر من المواطنين وبطء نسق التنمية في الجهات.

ومردّ هذه العزلة، في تقديرنا، ضعف الحزام السياسي الذي من المفروض أن يكون خير سند للحكومة، لا سيما في ضوء ما أصاب حزب نداء تونس من تشظّ وشلل نتيجة وقوعه في أوحال أزمته المستحكمة، والخلافات التي تشقّ عددا من الأحزاب الممضية على “اتّفاق قرطاج” ممّا يجعل مواقفها، أحيانا، أقـرب إلى السكوت والتحفّظ من الدعم الصريح ليوسف الشاهد وفريقه.

ولعل من أهمّ المسائل التي يتعيّن أن نتوقّف عندها، في هذا الصدد، تغوّل عدد من النقابات التي تصر على فرض شروط لحل مشاكل قائمة في عدد من المجالات، منها المجال التربوي، كالمطالبة بإقالة وزير التربية وضرورة استشارة الاتحاد العام التونسي للشغل مسبقا قبل إجراء أيّ تعديل وزاري والأخذ برأيه في مختلف الملفّات المطروحة، باعتباره طرفا شريكا في تنفيذ التزامات “وثيقة قرطاج”.

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: كيف السبيل إذا إلى تجاوز المأزق الذي يقع فيه العمل الحكومي وتوفير الظروف الملائمة لتنقية المناخ العامّ وزرع الثقة والأمل في النفوس بما ييسّر تسريع وتيرة التنمية وانصراف القوى الوطنية إلى التصدّي، دون إبطاء، لمختلف التحدّيات التي تواجهها البلاد؟ في الحقيقة لا تبدو الحلول عديدة.

ولعلّ المؤسّسة الأقدر على المساهمة في الدفع نحو إيجاد مخرج لهذا الوضع المأزوم مجلس نوّاب الشعب، بالنظر إلى مكانته المحوريّة ضمن منظومة الحكم الحالية وباعتباره ضمير الشعب، مصدر سلطته. وهو، بحكم وزنه المستمدّ من صلاحياته الدستورية، مدعوّ، أكثر من أيّ وقت مضى، إلى النهوض بمسؤوليته التاريخية، في تصحيح مسار الأمّة وحمايته من منزلقات التشـرذم والفوضى، في هذه المرحلة العصيبة التي تمرّ بها، وذلك بالمسك بزمام المبادرة على الصعيدين السياسي والتشريعي:

على الصعيد السياسي، بات من الضروري أن ينعقد في رحاب مجلس نواب الشعب، وفي أسرع وقت ممكن، حوار شامل يحضره رئيس الحكومة وأعضاء فريقه يتناول مختلف القضايا الراهنة، ويقيّم مدى تنفيذ برنامج عمل الحكومة المصادق عليه في أغسطس الماضي، فضلا عن توضيح العلاقة بين الطرفين الحكومي والنقابي تفاديا لكلّ صدام بينهما، والسعي إلى تهيئة الأرضية الملائمة لإقرار هدنة اجتماعية في الأشهر القادمة تمكّن الحكومة من الاستعداد للمواعيد المقبلة، ونعني بالخصوص شهر رمضان مع ما يتطلبّه ازدياد الاستهلاك خلاله من إحكام تزويد السوق بمختلف الموادّ والحدّ من ارتفاع أسعارها، وكذلك امتحانات آخر السنة الدراسيّة والموسم السياحي.

والغاية من تنظيم هذا الحوار تعميق النظر في الحالة العامّة بالبلاد، وإعطاء دفع للعمـل الحكومي. وقـد يكون من المفيد أن يقام هذا الحوار بشكـل دوري كلّ ثلاثة أشهر.

أمّا على الصعيد التشريعي، فإنّ المجلس النيابي مدعوّ إلى الإسراع في المصادقة على مخطّط التنمية 2016- 2020 حتّى ينطلق في أقرب الآجال في تنفيذ المشاريع المقرّرة في إطاره، إلى جانب المصادقة على مشروع قانون الطوارئ الاقتصادية، باعتباره آلية لتسريع نسق إنجاز الخطط والبرامج ذات الطابع الاستعجالي، ومشروع القانون الأساسي المتعلق بإجراءات خاصّة بالمصالحة في المجـال الاقتصادي والمالي في صيغته المعدّلة، علاوة على مشروعي القانونين المتعلّقين بتنقيح مجلّة المحروقات والمجلّة الجزائية.

في زمن يغيب فيه الزعماء يأتي دور العقلاء، لتجنيب البلاد محن الفرقة والتفكّك ولوضعها على درب التغيير والإصلاح، فيثبت بذلك التونسيون للعالم أنّهم جديرون بالحرية والديمقراطية وأنّهم قــادرون على حــلّ مشاكلهم بالحوار والوفاق في إطار وطني صرف.

إعلامي تونسي

عبدالحفيظ الهرقام

:: مقالات أخرى لـ عبدالحفيظ الهرقام

:: اختيارات المحرر