الاثنين 22 مايو/ايار 2017، العدد: 10640

الاثنين 22 مايو/ايار 2017، العدد: 10640

خطاب الشاهد.. مؤشرات جادة عن استعادة تونس لتوازنها

  • لأول مرة منذ ستّ سنوات نشعر أن تونس بدأت تتجه لاستعادة توازنها السياسي والأمني والاجتماعي بانتظار أن يحقّق هذا التوازن الفرصة أمام الحكومة لتدخل مغامرة الإصلاح الاقتصادي وتنتقل من أسلوب إطفاء الحرائق الذي تخصّصت فيه حكومات ما بعد الثورة، إلى إجراءات جدية تدعم على عودة الاستثمار وتشجع رجال الأعمال المحليين والأجانب على الشعور بالأمان.

العرب مختار الدبابي [نُشر في 2017/03/19، العدد: 10576، ص(4)]

استقرار تونسي على إيقاع التوافق

تونس - جاء خطاب رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد بمناسبة حصول وزراء جدد على التزكية أمام البرلمان الخميس، حاملا لمؤشرات جدية على أن تونس بدأت تتعافى في ضوء التحسّن الكبير في الوضع الأمني بعد تفكيك عدد كبير من الخلايا الإرهابية والنجاح في ضرب شبكات الإسناد والاستقطاب التي كانت تشتغل خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي.

ويعزو المراقبون جزءا من هذا النجاح إلى تقلص الأزمة السياسية في البلاد بعد انتخابات 2014 وصعود الباجي قائد السبسي إلى الرئاسة وبدء خيار التوافق الذي أسس له الحوار الوطني في خطوة أولى، ثم لاحقا وثيقة قرطاج التي ضبطت معالم المرحلة المقبلة وصادقت عليها أغلب الأحزاب والمنظمات الاجتماعية والاقتصادية.

والخلافات السياسية الحالية هي مناكفات محدودة التأثير على المشهد وجزء ضروري في الحراك الديمقراطي، لكنها لا تقدر على إعادة المشهد إلى ما قبل 2014 الذي كان ينبئ بفوضى عارمة بسبب الاصطفاف الأيديولوجي والارتباطات الخارجية.

وأعطى تراجع التوتر السياسي الفرصة لحكومة الحبيب الصيد، وخاصة حكومة الشاهد الحالية، للتفرغ لمعالجة ملفات اجتماعية معقدة كانت وراء تعطيل الاقتصاد وخاصة ما تعلق بالإضرابات والاعتصامات في مواقع إنتاج الفوسفات والنفط والغاز ما منع الدولة من الحصول على التمويلات الضرورية للمشاريع التي كانت تخطط لإنجازها في المناطق الداخلية، فضلا عن ضخ الدعم اللازم لتحريك الاستثمارات.

ولفت الشاهد في خطابه أمام البرلمان إلى “عودة إنتاج ونقل الفوسفات إلى نسب قياسية قريبة من سنة 2010″، أي الحالة العادية لكميات الإنتاج بعد أن تراجع بنسبة 60 بالمئة ما كبد الدولة خسائر بقيمة 5 مليارات دينار (حوالي ملياري دولار).

تونس تحتاج إلى خطوات أكبر لمعالجة ملفات ذات صبغة سياسية واجتماعية وبينها الاقتراب من الاتحاد العام التونسي للشغل بغاية تطويق الأزمات بعقلانية، فضلا عن تحويل المصالحة الوطنية إلى عامل داعم للانتقال الديمقراطي

وألقى بالمسؤولية على عاتق نواب البرلمان للتسريع بإصدار القوانين اللازمة و”رفع العراقيل التشريعية والإدارية” التي عطلت “إنجاز المشاريع (الكبرى) في القطاعين العام والخاص”، فضلا عن المصادقة على “قانون الطوارئ الاقتصادية” الذي سيعطي “تسهيلات إدارية” لإنجاز مشاريع “كبرى” توفر وظائف للعاطلين خصوصا في المناطق الداخلية.

وحمل خطاب الشاهد تأكيدا جديا على أن حكومته ستحارب الفساد بقوة، مشيرا إلى أنه تم الانتهاء من مشروع قانون “من أين لك هذا” الذي يراقب تضارب المصالح والإثراء غير المشروع والذي يشمل الكوادر الإدارية وأعضاء الحكومة ورئيس الجمهورية وأعوان الأمن وأعوان الديوانة (الجمارك) ورؤساء الأحزاب ورؤساء الهيئات الدستورية.

ويمكن للحملة على الفساد، إن ابتعدت عن الانتقائية ونجت من التوظيف الإعلامي، أن تحقق ثورة هادئة على أبرز عنصر معطل لأداء الإدارة التونسية لمهامها، خاصة بعد تراجع دور الدولة وضعف الرقابة منذ 2011.

ومن الواضح أن الحكومة قد شرعت أخيرا في ملامسة القضايا الأساسية مثل التنمية في المناطق المهمشة أو توفير مواطن العمل لخريجي الجامعات عبر برنامج عقد الكرامة الذي سيوفر أوليا 25 ألف موطن عمل.

ومع ذلك فهي تحتاج إلى خطوات أكبر وأوسع مدى لمعالجة الملفات الأخرى ذات الصبغة السياسية والاجتماعية وبينها حسم موعد الانتخابات البلدية والاقتراب أكثر من الاتحاد العام التونسي للشغل بغاية تطويق الأزمات بعقلانية، فضلا عن تحويل المصالحة الوطنية إلى عامل داعم للانتقال الديمقراطي والحيلولة دون أسلوب التشفي والانتقام في محاكمات رموز النظام السابق.

التخفيف من قبضة الحكم المركزي

مثّل الإعلان عن موعد أوّلي لإجراء الانتخابات البلدية (المحلية) في 26 نوفمبر 2017 أولى الخطوات في بناء التوازن المطلوب، وهو ما سيسمح ببناء مؤسسات محلية منتخبة بدلا من أسلوب التعيين الارتجالي لمسؤولين محليين من أجل ملء الفراغ، خاصة مع ما تبع ذلك من شكوك حول آليات التعيين وولاء بعض المسؤولين المعينين لدوائر ضغط تتهم بالتستر على الفساد.

ويحسب لرئيس الحكومة يوسف الشاهد أنه قبل بتحديد موعد للانتخابات البلدية ليضع الجميع أمام مسؤولياتهم ويسكت الإشاعات التي تتحدث عن أن التأجيل مرده خوف حزب نداء تونس من ألاّ يحصل على الأغلبية التي تمكنه من إدارة الشأن العام المحلي بحرية.

وواضح أن الشاهد تصرف، هنا، كرئيس حكومة بقطع النظر عن كونه منتميا لحزب نداء تونس وعن الظروف التي يعيشها الحزب، وهذا موقف يؤشر إلى أن رئيس الحكومة بدأ يتحرر من ضغط الحزب ودوائر الضغط المتسللة إليه والتي تريد أن تخدم أجنداتها من بوابة انتماء الشاهد للحزب الحاكم، وأحقية نداء تونس في أن يدير مختلف المراكز الحكومية وأن يسيّر الحكومة وفق رؤية الحزب ومصالحه وحساباته.

وقيمة الانتخابات المحلية أنها تمكّن الحكومة من ملامسة أوضاع الناس في المناطق الداخلية والأحياء الشعبية الواسعة المحيطة بمختلف المدن، وألا تكتفي بمتابعة تقارير الوزراء والمحافظين (الولاة). وهي فرصة حقيقية حتى تبدأ بمعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي كانت القادح الوحيد للاحتجاجات التي أنهت حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

والمخاوف التي تقف وراء تأجيل موعد الانتخابات كانت تصدر عن حسابات سياسية أكثر من كونها مرتبطة بضعف الإمكانيات المتوفرة لإنجاح الانتخابات.

يوسف الشاهد.. التصرف كرئيس حكومة بعيدا عن الانتماءات الحزبية

محاذير القانون الانتخابي

يمكن أن يبدد الحفاظ على القانون الانتخابي القائم على النسبية الكثير من هذه المخاوف وهي تتركز أساسا في التخوف من سيطرة حركة النهضة أو نداء تونس على الانتخابات، ما يهدد التجربة الديمقراطية ويعيد البلاد إلى مربع الحزب الحاكم الوحيد.

ولا يسمح قانون النسبية الذي يعتمد على احتساب أفضل البقايا لأيّ حزب بالتغول والحصول على أغلبية تسمح له بإدارة البلديات لوحده. وفضلا عن هذا كله فإن حركة النهضة تشهد حالة من التراجع في شعبيتها بسبب خيار التوافق مع نداء تونس والقبول بالمشاركة الجزئية في الحكم، فضلا عن مواقف أخرى تتعلق بالمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، وهو ما لن يسمح لها بأن تتصدر الانتخابات بفارق كبير.

كانت النهضة قد خسرت أربعين بالمئة من جمهورها الانتخابي بين انتخابات 2011 وانتخابات 2014 بسبب افتراق مواقفها عن السلفيين وحزب التحرير في قضية الشريعة فضلا عن وقفوها ضد قانون العزل السياسي الذي هدف إلى منع قيادات عليا ووسطى من التجميع الدستوري السابق من المشاركة في الانتخابات.

ويتوقع متابعون للمشهد السياسي أن يتقلص هذا الجمهور الانتخابي في ضوء الجدل الداخلي الحاد في الحركة بخصوص التنازلات التي تقدمها لإنجاح خيار التوافق، وانسحاب أعداد من جمهورها باتجاه حزب تونس الإرادة الذي يرأسه الرئيس السابق المنصف المرزوقي.

ويعيش نداء تونس بدوره وضعا صعبا بسبب صراع الأجنحة والتسريبات الداخلية عن نقاشات الحزب الداخلية ما يجعل من هيمنته على الانتخابات المحلية أمرا صعبا بالرغم من لحاق 40 شخصية وطنية بارزة به في الأيام الأخيرة.

وهكذا فإن الانتخابات ستنتج فسيفساء حزبية متعددة، وربما تكون المرتبة الأولى للنهضة أو للنداء، لكنّ هناك أحزابا وتكتلات أخرى ستكون موجودة بقوة مثل جبهة الإنقاذ التي ينتظر الإعلان عنها رسميا في الثاني من أبريل القادم، وهي تكتل سياسي مبني أساسا على معارضة التحالف القائم بين النهضة والنداء.

وستساعد المجالس المنتخبة على تفكيك ظاهرة الفساد المحلي، وهو أكبر نفاذا وتوسعا، وهو الذي تسبب بشكل مباشر في احتجاجات الحوض المنجمي 2008، ولاحقا احتجاجات 2010، غير أن التعاطي السياسي حصر الفساد فقط في الطبقة المحيطة بالرئيس الأسبق بن علي.

ومن شأن تمثيلية حزبية أوسع في المجالس المحلية أن تحاصر ظاهرة الفساد التي تقتل تواصل الدولة مع الفئات الضعيفة عبر سرقة المساعدات وتوزيعها بمنطق المحسوبية والرشوة واعتمادا على الولاء الأسري والعشائري.

صحيح أن قانون النسبية يلقى رفضا كبيرا في أوساط جهات سياسية ومثقفين لكونه قاد إلى التوافق بين النهضة والنداء وقتل التنافس الحزبي وسرق من الديمقراطية أهم عنصر فيها وهو وجود حزب فائز يطبق رؤيته لإخراج البلاد من أزمتها، ووجود معارضة قوية في البرلمان وفي المشهد السياسي.

وطالب الصادق شعبان وزير العدل ووزير التعليم العالي في عهد الرئيس الأسبق زين العايدبن بن علي بـ”توضيح المشهد السياسي وتبسيط التنافس بإفراز حكومة تحكم فعلا ومعارضة تعارض حقا، وتمكين المواطن من الاختيار بين بديلين لا غير، وهذا يتطلب الخروج من دوامة النسبية والعودة إلى نظام الاقتراع بالأغلبية، مع اشتراط الحصول على نسبة مرتفعة من الأصوات للدخول إلى البرلمان أو البلدية، فيتقلص التشتت الحزبي وتضطر الأحزاب للتقارب والاندماج”.

واعتبر الصحبي بن فرج النائب عن كتلة الحرة (ممثلي تونس المستقبل لمحسن مرزوق) أن “المعادلة السياسية الحالية صعبة وحظوظ تواصلها شبه منعدمة: الثنائي النداء والنهضة في صورة حزب يحكم في الواجهة وحزب يحكم في الكواليس، إذ تتعاظم يوميا قوة النهضة فيما يتآكل يوميا حزب النداء”.

لكن هذا النظام الانتخابي نجح إلى حد ما في تجنيب تونس مواجهة مفتوحة كانت ستقود إلى حرب أهلية بعد الاحتجاجات الواسعة ضد الترويكا وخاصة بعد الاغتيالات السياسية. وحظي هذا التوافق برعاية خارجية خاصة من أوروبا التي تريد تفادي تفجر أزمة في تونس شبيهة بأزمة ليبيا ما يحوّل حدودها إلى قبلة لآلاف المهاجرين وبينهم متسللون إرهابيون مثلما جرى في الضفة الأخرى مع لاجئي الأزمة السورية.

ودافع محسن حسن الوافد الجديد إلى نداء تونس بعد تجربة مع الوطني الحر لسليم الرياحي عن العلاقة مع النهضة، معتبرا أنها “علاقة استراتيجية” وأن “التحالف بين النداء والنهضة مسألة إيجابية ومن الممكن أن تتواصل لسنوات طويلة” قدرها بخمس عشرة سنة.

الشاهد تصرف في تحديد موعد الانتخابات المحلية كرئيس حكومة بقطع النظر عن كونه قياديا بحزب نداء تونس وعن الأزمات داخل الحزب التي قد تحول دون الفوز بالأغلبية

الشراكة الاجتماعية

من المهم أن تبني الحكومة الحالية علاقة وثيقة باتحاد الشغل تقوم على الشراكة والحوار المستمر في وضع استراتيجيات المرحلة المقبلة سواء ما تعلق بالإصلاح الاقتصادي أو إصلاح منظومة التعليم مثار الجدل في الفترة الأخيرة.

وتحتاج هذه الشراكة إلى تكافؤ لا يجعل طرفا من الطرفين تابعا للآخر أو مستظلا بظله للخروج من الأزمات، فمن حق اتحاد الشغل أن يحمي حقوق مئات الآلاف من المنخرطين في صفوفه ولكن في سياق الظروف التي تعيشها تونس. ومن المفروض أن تكون الحكومة عبر هذه الشراكة قد أطلعته على الوضع الاقتصادي والمالي وخططها للتقشف والإصلاح الهيكلي.

ومن المهم أن تلتزم الحكومة بدورها بتنفيذ الاتفاقيات التي تعقدها مع الاتحاد وألا تلجأ إلى التسويف وإحالة الأزمات إلى حكومات قادمة حتى تضمن استمرار حوار اجتماعي صلب، فضلا عن أنها تساعد المنظمة النقابية على إسكات دوائر الضغط الأيديولوجية التي لا ترى الاتحاد إلا في حالة عداء وصدام مع الحكومة.

ولا شك أن التقارب مع اتحاد الشغل سيدفع حكومة الشاهد إلى أن تكون وسيطا فاعلا لتقوية الحوار الاجتماعي بين المنظمة النقابية وبين اتحاد أرباب الأعمال (الاتحاد التونسي للتجارة والصناعة).

ومثلما قطعت الخطوات الضرورية لاجتذاب اتحاد الشغل تحتاج إلى أن تبذل جهدا كبيرا لإقناع رجال الأعمال المحليين على الاستثمار في تونس وتبديد مخاوفهم، خاصة تلك التي تتعلق بالمصالحة الوطنية وتسوية أوضاعهم مع البنوك بعيدا عن الابتزاز الذي يمارس ضدهم بشعارات ثورية في ظاهرها.

ويمكن لحكومة الشاهد أن تقطع خطوة جيدة في قضية المصالحة مادامت تمتلك أغلبية واضحة في البرلمان تسمح لها بتمرير رؤيتها لهذا الملف ليتم حلها بالسرعة القصوى حتى لا يتحول إلى عامل معطل ويعطي انطباعا سيّئا عن واقع الاستثمار في تونس، خاصة بعد المحاكمات الأخيرة التي لا تقرأ سوى في سياق الانتقام من شخصيات وازنة ذنبها أنها عملت مع النظام السابق.

كاتب وإعلامي تونسي

مختار الدبابي

:: مقالات أخرى لـ مختار الدبابي

مختار الدبابي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر