الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الصحراء المغربية بين خطاب الداخل والخارج

كل تراخ في مقاربة تطورات هذا النزاع من وجهة نظر مغربية لا يساهم في تعزيز الإجماع الوطني في شيء، وإنما يصب الماء في طاحونة خصوم الوحدة الترابية المغربية.

العرب حسن السوسي [نُشر في 2017/03/20، العدد: 10577، ص(8)]

يتهم البعض الإعلام المغربي في تناوله قضية الصحراء المغربية، وما يرتبط بها من قضايا على مختلف المستويات، بكونه يركز على إقناع المغاربة بعدالة قضيتهم الوطنية وهو بذلك لا يقوم إلا بنوع من المونولوج أو الحديث إلى المغاربة الذي لا يفيد كثيرا، بينما المطلوب هو التوجه إلى الخارج بالخطاب والعمل على التأثير في الرأي العام الإقليمي والدولي ولا سيما منه ذلك الذي ليس في مصلحة الموقف المغربي على اختلاف الأسباب وراء ذلك.

وهو ما يتطلب بلورة خطاب جديد ونوعي، يعتمد لغة التخاطب العالمي على قاعدة مبادئ حرية الشعوب والحق في ممارسة تقرير المصير، إلى غير ذلك من مفردات قاموس القانون الدولي المعتمد في مثل هذه النزاعات والقضايا.

إذ أن ما ليس قابلا للإنكار كون قضية الصحراء والنزاع الإقليمي حولها قضية ذات بعد إقليمي ودولي، لا تستقيم معالجتها إلا إذا كانت مستوعبة لهذين البعدين الجوهريين، وإن التأثير فيهما هو الذي يخدم القضية المغربية أكثر مما يخدمها حصر الخطاب في أبعاده الوطنية غير ذات الجدوى في نهاية المطاف. أي عند استحضار أن مصيرها النهائي لم يعد في يد المغرب حصرا، وإنما هو بيد مختلف القوى ذات المصلحة المباشرة أو غير المباشرة من النزاع ومن إيجاد حل له تحت إشراف مجلس الأمن الدولي.

وهذا يعني أنه مرتبط بطبيعة تطور النزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو والتحولات التي يمكن أن تطرأ على الموقف الجزائري الداعم الأساسي لأطروحة الانفصال وإقامة دولة قزمية في جنوب المغرب. علاوة على التحولات التي يمكن أن تطرأ على مواقف الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي والتي تتحكم في البعد الدولي لهذه القضية.

وإذا أمكن الاتفاق حول ضرورة توجّه الإعلام المغربي نحو الخارج لتفنيد أطروحات الخصوم والعمل على توسيع دائرة القوى المؤيدة للموقف الوطني من الصحراء والنزاع الإقليمي المفتعل حولها، فإن هذا لا يعني أن الدفاع عن القضية وتبيان مختلف أبعادها التاريخية والوجدانية والسياسية والإستراتيجية بالنسبة إلى أبناء الشعب المغربي عمل لا طائل من ورائه، أو ممارسة لنوع من المونولوج السياسي الذي لا يقدّم ولا يؤخر، بل إنه عمل تنويري وسياسي منهجي ضروري في كل وقت وحين لاعتبارات أساسية أهمها:

أولا، طول أمد النزاع الذي عمر في شكله الحالي أكثر من 40 عاما الأمر الذي يعني أن جيلا جديدا بكامله لم يواكب هذا النزاع وليس لديه إلمام كامل بتطوراته وخاصة في بعده الوطني، وما يترتب على ذلك من مسؤوليات والتزامات بما في ذلك الأشكال المختلفة من التضحية المادية والمعنوية التي قد يفرضها الموقف كما كان ذلك شأن الآباء والأجداد.

ثانيا، ولعل مواصلة أعداء الوحدة الترابية سياساتهم الإعلامية التضليلية في أوساط المواطنين المغاربة الصحراويين المحتجزين في مخيمات الاعتقال في تيندوف، وخاصة في أوساط أبنائهم الذين ولدوا وعاشوا خارج الصحراء، تفرض على المغرب مضاعفة الجهود في مجال تنوير الأجيال الجديدة داخل الصحراء أو خارجها، وفضح خطط الأعداء والحد من تأثير حملاتهم التضليلية كشرط لإفشال مساعيهم الرامية إلى قلب الحقائق في هذا الملف الذي يحاولون تجريده من بعده الوطني بالنسبة إلى المغاربة، باعتباره قضية استكمال وحدتهم الترابية تحت مزاعم تصفية الاستعمار وما شابه.

ثالثا، إذا كان مرتزقة الجزائر يسوّقون للوهم وينتصرون للكذب حول تاريخ القضية وواقعها وآفاق تطورها، فالأحرى أن يتم التصدي لذلك داخل مختلف فئات الشعب وخاصة منها تلك التي لا تحظى بالمقدار الكافي من المناعة في مواجهة تحديات الكذب والافتراء المنظم.

رابعا، إن الأخطاء وحتى الهزائم السياسية، التي يمكن أن تقع هنا أو هناك، في مسار تدبير ملف من الملفات الكبرى بالنسبة إلى الشعب، لم تكن في يوم من الأيام قاعدة لتغيير الحقائق الوطنية. لذلك فعندما تجد من يستدل بذلك لنفي تلك الحقائق وأحقية النضال الوطني، فاعلم أن الخلل في موقفه الأصلي الذي قد لا يمت بأيّ صلة إلى الاعتقاد بعدالة القضية، وضرورة النضال من أجلها، وأن جلّ ما يقوم به هو البحث عن تبريره وإن كان لا يصرّح به تقية واضطرارا في بعض الأحيان.

إن التوتر الراهن في منطقة الكركرات هو الدليل على ضرورة عدم إهمال توجيه الخطاب إلى الداخل المغربي وإلى المواطنين المحتجزين في تيندوف، وإبراز الحقائق المرتبطة بالنزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية، لأن طول أمده يستدعي العودة إليه باستمرار لتحيين معطياته والتفكير في مواجهة تحدياته التي هي تحديات الشعب المغربي قبل أن تكون ذات أبعاد إقليمية ودولية.

وكل تراخ في مقاربة تطورات هذا النزاع من وجهة نظر مغربية لا يساهم في تعزيز الإجماع الوطني في شيء، وإنما يصب الماء في طاحونة خصوم الوحدة الترابية المغربية الذين لم يتوانوا لحظة واحدة، على مدى أربعة عقود، في محاولة تزييف الحقائق بهدف النيل من هذا الإجماع، أساسا، لإدراكهم أنه الصخرة التي تتكسر عليها كل مخططاتهم الهيمنية على حساب المغرب.

كاتب مغربي

حسن السوسي

:: مقالات أخرى لـ حسن السوسي

حسن السوسي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر