الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

ميزان القضاء بيد النساء: أحكام عادلة أم جائرة

  • فكرة تولّي المرأة للقضاء كانت تعتبر في نظر المجتمعات الذكورية ضربا من الهذيان والتحريم، فقد كان ينظر إلى النساء على أنهن يفتقرن إلى القدرات الذهنية والثبات العاطفي ما يمكنهن من النظر بحكمة في القضايا الصعبة. إلا أن تلك الفكرة عفا عليها الزمن اليوم، فلم تعد أروقة القضاء العربي حكرا على الرجال بعد أن ارتفعت أصوات القاضيات من أعلى منابر المحاكم منتصرات للحق ورافعات للظلم، فميزان العدالة أصبح بيد النساء أيضا وأكف الرجال معهن.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/03/26، العدد: 10583، ص(20)]

من أعلى منبر القاضية تسود وتحكم

يعطي العالم العربي اليوم صورة أكثر إشراقا لمجتمعات الدول الأخرى في العالم بمشاركة نصف المجتمع في البتّ في القوانين واتخاذ القرارات وفق ما يخدم الصالح العام ويحقق العدالة.

ويبدو أن فخر العراقيين بأول قاضية في العالم العربي لم يعد ذا تأثير في زمن أعيدت فيه نساء العراق إلى قرون التحجيب والتكميم تحت سطوة الأحزاب الدينية والطائفية، إلا أن تعيين صبيحة الشيخ داود في عام 1956 كقاضية في محاكم بغداد سيظل تاريخا مشرقا وملهما لبقية المجتمعات.

وعندما نتحدث عن القاضيات العربيات تتبادر إلى الذهن أسماء كثيرة عاشت في زمن كان فيه القضاء مبنيا على موروث ثقافي مليء بالإجحاف ضد المرأة، ولم يكن من السهل على النساء تحدي تفسيرات رجال الدين للشريعة الإسلامية التي حالت دون اعتلائهن منصة القضاء لعقود طويلة.

ويعتزّ التونسيون بآمنة عويج المرأة الأولى التي عكست في سنة 1968 أنظار النساء التونسيات على سلك القضاء، فتمكنت من بعدها جويدة جيجة من الجلوس فعليا على منصة القضاء وإصدار حكم في إحدى القضايا إلا أن البعض من زملائها الرجال حاولوا الكيد لها وحشد الرأي العام ضدها، ولكن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة أنصفها فقال “تُعامل كما يعامل الرجال لها ما لهم وعليها ما عليهم”.

قال أبو حنيفة: "يجوز أن تقضي المرأة في ما تصح فيه شهادتها"، ثم أردف قائلا "وشذ ابن جرير الطبري فجوز قضاءها في جميع الأحكام، ولا اعتبار بقول يرده الإجماع"

ويمر اليوم أكثر من نصف قرن على انتزاع أمينة عبدالرازق في عام 1961 لصفة قاضية بالمحكمة الإقليمية بالرباط متحدية بذلك كل المساعي الرجعية المرتبطة بالنظرة الدونية للأنثى.

ويتباهى اللبنانيون بالقاضية جورجيت شدياق التي لم تستلم للإقصاء الذكوري ضد جنسها ونجحت في اعتلاء منصة القضاء في عام 1969. في حين لم يثر اسم فريدة أبركان أيّ حساسيات في المجتمع الجزائري عندما تم تعيينها قاضية بمجلس قضاء قسنطينة في عام 1969 لأن المجتمع الجزائري وقتها كان متفتحا ونجاح المرأة في هذا المجال كان بمثابة الفخر للجميع.

ويحفظ التاريخ اسم إحسان محمد فخري بوصفها أول امرأة سودانية تعين قاضية في المحاكم الشرعية في عام 1965.

ودخلت المرأة السورية سلك القضاء في عام 1975 وكانت غادة مراد أول امرأة تتولى مهمة النائب العام للجمهورية السورية.

وبدأ الدخول الفعلي للمرأة اليمنية في مجال القضاء عام 1974، فيما جاء تعيين المرأة المصرية في سلك القضاء متأخرا بالمقارنة مع بقية الدول العربية حيث اختار مجلس القضاء الأعلى المصري في عام 2003 المستشارة تهاني الجبالي لتكون أول قاضية في مصر وذلك بعد عقود من الجدل حول مدى شرعية اعتلاء المرأة لمنصة القضاء.

جرعة عادلة

أما في فلسطين فقد تم في عام 1996 تعيين قاضيتين واحدة بالمحكمة العليا وأخرى في محكمة الصلح، وفي ليبيا كانت رفيعة العبيدي وفاطمة البرعصي أولى النساء العاملات بسلك القضاء الليبي في عام 1989، فيما عينت الأردن تغريد حكمت كأول قاضية في عام 1996.

وعينت البحرين منى جاسم الكواري كأول قاضية في عام 2006، وتبعتها الإمارات التي عينت خلود أحمد جوعان الظاهري كقاضية ابتدائية من الفئة الثالثة في إمارة أبوظبي في عام 2008، وكانت سلطنة عمان أول دولة خليجية تعين 16 امرأة في منصب وكيل نيابة في عام 2004.

حنان مرسني: هل المرأة بنصف عقل لتحمل نصف ميزان

ولم يعد العمل في مجال القضاء حكرا على الرجل حتى في باكستان التي عينت بدورها أشرف جيهان كأول امرأة قاضية في المحكمة الفيدرالية الإسلامية في عام 2013، وكانت المرأة الموريتانية آخر الملتحقين بسلك القضاء ففي عام 2014 تم تعيين أمامة بنت محمد ولد الشيخ سيديا كأول قاضية، فيما ظل حلم العمل في السلك القضائي صعب المنال على المرأة السعودية.

ولكن رغم الخبرات والتجارب التي أصبحت تتمتع بها القاضيات اليوم في مختلف الدول العربية ودورهن الكبير في جعل القضاء أكثر مرونة وفاعلية فإن الجدل ما زال قائما حول طبيعة المرأة السيكولوجية التي ينظر إليها على أنها تعيقهن عن أداء مهامهن كقاضيات وتجعل أحكامهن متسرعة وهامش أخطائهن كبيرا، فما رد القاضيات العربيات وخبراء القانون ورجال الدين على ذلك؟

ترى القاضية التونسية سامية دولة في تصريحها لـ”العرب” أن القانون التونسي كرّس منذ الاستقلال مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات وعدم التمييز بين الجنسيين، وقد تجسد جليا في قانون مجلة الأحوال الشخصية الذي صدر في 13 أغسطس 1956.

وأوضحت أن بلادها قد أقرت حق المرأة في تولي جميع المناصب، والدليل من وجهة نظرها تولي النساء للمهام القضائية منذ سنة 1966 مقابل تحجير هذه المهنة على العديد من نساء الدول العربية الأخرى.

وقالت دولة “من موقعي كقاضية أرى أن المرأة القاضية لم تعد تنقصها الجدارة والكفاءة وأحكامها عادلة، وهذا يؤكده رضا المتقاضي الذي أصبح لا ينظر إلى القاضية نظرة دونية أو تمييزية، وكل ما يهمه الإنصاف والعدل”.

نظرة ذكورية

في حين اعتبرت زهرة المبروكي التي تعمل وكيل رئيس بالسلك القضائي أن عمل المرأة في القضاء يمثل نتاجا طبيعيا لتطور الشعوب وانفتاحها، مشيرة إلى أن بلدها قد حقق أشواطا كبيرة في هذا المجال.

سامية دولة: المتقاضي لا يهمه جنس القاضي بل العدل

وقالت في تصريحها لـ”العرب” إن “أكثر رؤساء الدوائر المدنية في المحاكم الابتدائية في تونس هن من النساء، فمثلا قسم النزاعات المدنية الذي يعد من أصعب الأقسام في سلك القضاء تترأسه في الغالب النساء، وهذا في حد ذاته إقرار بجدارة المرأة في هذا المجال”.

وأضافت المبروكي “المرأة التونسية القاضية حازمة في عملها وبعيدة عن الشبهات ولا تتجاوز ميزان القضاء، بل على العكس إنها تقدم جرعة عادلة في إطار المنظومة القانونية”.

وفندت المستشارة تهاني الجبالي المرأة الأولى التي اعتلت منصة القضاء في مصر كرئيس للمحكمة الدستورية العليا، المعتقدات الرائجة في بعض الأوساط حول إمكانية اختلال ميزان العدالة إذا ما كان القاضي امرأة.

وأكدت في تصريحها لـ”العرب” أن الجدل الدائر حول طبيعة المرأة الجسمانية والفسيولوجية هدفه الوحيد إقصاء النساء من هذا المنصب والتشكيك في قدراتهن.

وقالت “إذا كانت المرأة تمتلك العاطفة وتتعرض لتغيرات، فالرجل نفسه قد تكون لديه عاطفة مماثلة مع بعض الحالات، وأعتقد أن الحديث حول هذا الأمر يهدف بالأساس إلى ترسيخ الذكورية والتقليل من شأن المرأة ودورها، فهي صانعة القرار في المنزل أكثر من الرجل، والنساء أعقل من الرجال في الكثير من الأمور الحياتية والمصيرية للأسرة، فكيف يتحدث بعض أعداء المرأة على أنها ناقصة عقل ودين وهي مربية أجيال؟”.

وبدأت القاضية التونسية حنان مرسني حديثها لـ”العرب” بسؤال إنكاري قائلة “هل المرأة بنصف عقل لتحمل نصف ميزان؟”، مشيرة إلى أن الجدل الدائر حول تولّي المرأة للقضاء قد تم تجاوزه في تونس منذ عقود من الزمن، وأكبر دليل بالنسبة إليها على ذلك هو عدد النساء القاضيات الذي أصبح يمثل حوالي 48 بالمئة من جملة عدد القضاة في تونس، إضافة إلى وجود 57 قاضية يشغلن أعلى الرتب في القضاء التونسي. وقالت مرسني “تجربتي في القضاء بالمحكمة العقارية بمحافظة سليانة مكنتني من الوقوف عينيا على كفاءة المرأة في هذا المجال رغم مشقته”.

وأضافت “يكفي أن أشير إلى التوجهات العينية والتحريرات التي تقوم بها القاضية المختصة في الشأن العقاري واحتكاكها المباشر بالمتقاضين ومواجهتها أحيانا للرفض من قبلهم، ولكن مرونتها في التعامل مع المواطنين وصرامتها في تطبيق القانون جعلتهم يطمئنون لأحكامها ويقبلون بها”.

ورجحت مرسني أن الحِمْل قد يكون أثقل على المرأة لأنها مطالبة بالتوفيق بين واجباتها الأسرية كأمّ وزوجـة وعملها كقاضية ولكنها تسعى دائما إلى تحقيق التوازن بين الأمرين، وهذا من وجهة نظرها يفنّد فكرة أن المرأة هوائية وتحتكم للعاطفة في أحكامها.

تهاني الجبالي: النساء أعقل من الرجال في عدة أمور

وقالت القاضية الجزائرية السابقة صليحة عبدالوهاب “السلطة الجزائرية والمشرع الجزائري فتحا أبواب جهاز القضاء أمام المرأة الجزائرية لأنهما آمنا بقدراتها وإمكانياتها في أن تكون في أي منصب بما في ذلك منصب القضاء رغم ما يحيط به من خصوصيات وظروف قد لا تظهر للرأي العام، لكن المنصب ينطوي على عدة محاذير تتعلق بالمهنة بشكل عام وليس بالمرأة كامرأة”، مضيفة “قد يرى البعض أن طبيعة المرأة النفسية وعاطفتها يمكن أن يؤثرا على القضايا المطروحة أمامها ويدفعانها إلى عدم تطبيق القانون أو تقدير المسائل بعكس الحقائق، لكن تكوين القاضي ووعيه يجعلانه دائما يراعي كل الخصوصيات الجنسية والفئوية”.

واعتبرت عبدالوهاب أن “هناك بعض الذهنيات المتحجرة التي تستند إلى نصوص دينية دون فهم أو تعمق في المعنى والمغزى وتعمل على تسويق صورة ناقصة عن المرأة القاضية، لكن الحقيقة أن هذه المرأة التي تفصل بين الناس بتطبيق القانون هي بنت هذا المجتمع وهذه البيئة، وقد تملك من الرصيد المعرفي والخبراتي ما يخفى عن هؤلاء”.

وأوضحت أن رسالة وعدالة واستقلالية القضاء لا تتعلق بخصوصيات وطبيعة القاضية بقدر ما تتعلق بتكوين ونزاهة وضمير القاضي في التعاطي مع القانون والفصل بين المتقاضين بنزاهة وحياد.

جهل المتشددين

في حين لم تنكر القاضية سهام بن مسعود نائبة رئيس المحكمة الابتدائية بمكناس المغربية في حديثها لـ”العرب” أن المرأة بطبيعتها حساسة وتتأثر بأيّ وضع أو موقف، إلا أنها أكدت على ضرورة استبعاد العواطف عند إصدار الأحكام من أجل التزام الحياد وتحقيق العدل.

وقالت القاضية المغربية “أحيانا تحال علينا بعض القضايا ونتأثر بما يوجد فيها، إلا أننا نلزم الحياد ونطبق القانون ونعمل ما في وسعنا لتحقيق العدل بين المتقاضين”.

وأضافت “بحكم مقابلتي للنزلاء والنزيلات في السجون والاستماع إليهم وإلى شكاواهم ومشاكلهم أتأثر لمرضهم وفرحهم وحزنهم، ولكن من دون أن يؤثر ذلك على ممارستي لمهامي كقاضية”، موضحة “قد أحزن لوضع المتقاضين إما بسبب مشاكلهم أو لظروفهم لكن من دون أن أظهر ذلك، وتساعدني طبيعتي السيكولوجية إيجابا على التمحيص والتدقيق أكثر للوصول إلى الحقيقة”.

سهام بن مسعود: طبيعتي السيكولوجية ترشدني للحقيقة

يقول أبو الحسن الماوردي أكبر قضاة الدولة العباسية في كتابه “الأحكام السلطانية” في باب ولاية القضاء “قال أبو حنيفة: يجوز أن تقضي المرأة في ما تصح فيه شهادتها”، ثم أردف قائلا “وشذ ابن جرير الطَّبَري فجوَّز قضاءها في جميع الأحكام ولا اعتبار بقول يردّه الإجماع”. وهذا يعني أن كافة المذاهب لا تجوّز إسناد وظيفة القضاء للمرأة باستثناء المذهب الحنفي الذي لا يرى مانعا في ذلك.

ولا يرى أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر المصرية أيّ مانع أن تكون المرأة ذات الكفاءة وحسنة السلوك قاضية لأن الشريعة على حد قوله لـ”العرب” تنظر إلى الكفاءة وليس إلى الجنس البشري، مشيرا إلى أنه مثلما يوجد بين الرجال من لا يصلح ليكون قاضيا عادلا فإن هناك من النساء من لا تصلح للحكم بين الناس.

وقال كريمة إن “الحديث النبوي الذي يقول ‘ما أفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة’، كانت له واقعتان فقط في عهد النبي محمد (ص)، لكنه ليس حكما عاما بدليل أنه لم يعد هناك الخليفة ولا الإمام في هذا الزمان، وتغيّر الحكم من سلطان الفرد إلى سلطة المؤسسات”.

ويعتقد أن الحديث عن عدم صلاحية المرأة لمنصب القاضية بسبب عاطفتها ليس سوى جهل يروجه المتشددون فكريا ودينيا.

أما قيس سعيد أستاذ القانون الدستوري بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس فقد أكد لـ”العرب” أن المرأة اليوم ليست أقل علما أو شأنا من الرجل، كما لا ينقصها الحس بالمسؤوليات القضائية وأعبائها، موضحا أن الرجل لا يتفوّق عليها في شيء.

ويرى سعيد أن إقامة العدل لا ترتبط بجنس الحاكم بل بالتشريعات التي يتم سنها وباستقلالية القضاة رجالا كانوا أو نساء، مرجحا أن التجاوزات والنقائص التي قد تحصل في القضاء لا علاقة لها بجنس القاضي بقدر ما هي مرتبطة بمنظومة قضائية كاملة وبمنظومة سياسية يتحرك داخلها القضاة.

كاتبة من تونس مقيمة بلندن

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر