الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

أرسم لي فقاعة

فقّاعات قائمة بذاتها، يحلو النظر إليها والسفر في أجوائها الصحية الملوّنة، هناك لا تنقطع الكهرباء ولا الماء ولا يختنق فيها أفق النظر، كما لا ينام فيها أي أحد على جرح من الجراح.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/04/07، العدد: 10595، ص(17)]

مررت يوما مع أحد الأصدقاء من أمام مبنى حمل اسم “قلعة الصنوبر”. يومها ابتسم الصديق بخبث شديد وقال “يفرمون حقلا من الصنوبر ويشيّدون مكانه مبنى يحمل اسم ‘قلعة الصنوبر’.. ربما تخليدا لذكراه”.

حضرت إلى ذهني يومها لوحات الفنانة اللبنانية زينة عاصي، لوحات رسمت فيها مدينة بيروت مختنقة، ليس فقط بالكثافة السكانية التي تعاظمت مؤخرا إثر وفود أكثر من مليوني نسمة إليها، بل كمدينة تختنق باللبنانيين المسكونين بأزمة وجود وهويّة وقلق اقتصادي وبيئي وثقافي متصاعد، قلق قد يكون بلغ أوجه اليوم في ظل الأزمات السياسية الحادة.

كل من يطلع اليوم على الأعمال الفنية التي قدمتها الفنانة اللبنانية زينة عاصي على مدى سنين سابقة صوّرت فيها مدينة بيروت كمساحات رمادية مكتظة وباقات دائرية من ورود فولاذية مضغوطة تنذر بالانفجار يدرك أنها استبقت وعكست بشكل تام انفجارا حدث فعلا اليوم، انفجار “صنوبري” له تداعياته التي لا تعد ولا تحصى.

ليس ذلك فحسب، بل صوّرت هذه اللوحات وإن بشكل غير مقصود ببعض من الأسباب التي ستؤدي وأدت إلى انفجار متجسد في فورات من المشاريع السكنية، غير السكانية و”الهيبر رياليستيكية”، مشاريع وردية مصنوعة من مادة الأحلام الأغلى ثمنا.

طالت “شظايا” هذا الانفجار جبال لبنان لتستقر فيها، جبال صادف أن كانت في معظمها مسكونة بالصنوبر الذي يعُدّ الرئة الأساسية التي يتنفس بها لبنان.

حتى لوحات الفنانة التي استقبلت هيئات بشرية قلقة أو كئيبة الملامح، جاءت إليها وهي “ترتدي” ثوبا يحمل صورا مجتزئة من المدينة وهواجسها وغياب ثقة أهلها في السلطة الحاكمة.

حملت المشاريع السكنية في معظمها أسماء رومانسية أو بيئية/شعرية تدغدغ مشاعر ومتاعب الفرد اللبناني. انتشر الإعلان عنها في الشوارع البيروتية، إما في شكل صور “مضاءة/مضيئة” على يافطات وإما في ألواح إعلانية وإما في شكل شرائط فيديو ترويجية قصيرة تحدّث الناظر إليها عن حلم السكن في “مجتمعات” مُغلقة وسعيدة وشبه دائرية في بيوت من قرميد محاطة بأشجار وأزهار وشوارع براقة وأماكن للسهر والسباحة والرياضة وغيرها من الأمكنة، هي أقل مستلزمات أي مدينة حضارية ولكن بأسعار خيالية بعيدة كل البعد عن متناول الفئة الأكبر من الشعب اللبناني.

فقّاعات قائمة بذاتها، يحلو النظر إليها والسفر في أجوائها الصحية الملوّنة، هناك لا تنقطع الكهرباء ولا الماء ولا يختنق فيها أفق النظر، كما لا ينام فيها أي أحد على جرح من الجراح. فيها كل مستلزمات الحياة. فقّاعات مدينيّة موجودة داخل دولة واحدة ولكنها تسنّ قوانينها الذاتية، البيئية والجمالية وتؤسس لمنطق اجتماعي أحادي غير مختلط ولا يضم مختلف الطبقات الاجتماعية اللبنانية.

بغض النظر، وإن بصعوبة، عما إذا كانت هذه الجزر غير المحاطة بالبحار أو المحيطات بل في سائر المناطق اللبنانية هي جزر وهمية أو مبنية على كوارث بيئية مبطّنة، إلا أنها تؤكد أن الخيال يجيء في أحيان كثيرة مُبلسما وداعما للقدرة البشرية على الصبر وابتلاع المصاعب.

لا شك أن هذه المشاريع جاءت عن حاجة حقيقية للإفلات من الخناق الذي يعيشه اللبناني ونتيجة لغياب الثقة في من يدير شؤون البلد، لكن أهم ما تشير إليه تلك المشاريع هو تأكيد جديد على الرغبة والقدرة على الاختلاق بتأسيس “فقّاعات سكنية” مستوردة متأتية من مخزون الخيال الجماعي اللبناني المُشبّع بأغاني فيروز، لتنقذ وهي تعيد ولو بشكل جزئي ما تبقى من لبنان/الحلم على أمل أن يعود إليه رونقه الساحر.

إن كانت هذه المجمّعات السكنية تعنى بأحلام فاحشي الثراء فقط، أو هي وهم بوهم يُباع للشارين، فرؤية صورها وأنت عابر في أحد الطرقات البيروتية أمر جميل ومسلّ جدا، لأنه يدخلك ولو للحظات زمنا ومكانا آخرين استجابا لندائك الدائم هذا “أرسم لي فقّاعة صنوبريّة أعيش معك فيها بحب وسلام ووئام”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر