الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

ثلاث رؤى فنية مختلفة تشكل بصمات مدينة اسمها بيروت

  • تقدم صالة “آرت سبيس” البيروتية معرضا فنيا مشتركا يحمل عنوان “بصمات مدينة”، وتعود تلك البصمات إلى مدينة بيروت وإلى الأثر الذي تركته في نفس وفن ثلاثة فنانين مختلفين وهم اللبنانيتان ميراي مرهج ورانيا عطوي والعراقي رياض نعمة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/04/07، العدد: 10595، ص(17)]

تداخل رشيق بين الرسوم المتحركة والرموز السينمائية

بيروت- كالعادة برعت صالة “آرت سبيس” البيروتية في جمع نصوص فنية مختلفة المذاق والتقنيات في حيز واحد، حيث تلاقت وتشكلت رؤى كل من ميراي مرهج ورانيا عطوي ورياض نعمة من بعضها البعض لتقيم نوعا من الجدلية الإيجابية التي ساهمت في تعميق تجربة العيش في مدينة يتداخل فيها الحاضر والماضي والمستقبل، ونعني هنا مدينة بيروت اللبنانية.

وتتساءل الفنانة اللبنانية ميراي مرهج في معرض تقديمها لأعمالها الفنية “في أي مزاج كنت عندما شرعت في إنجاز تلك الأعمال؟”، فتحاول أن تجيب عن هذا السؤال بكلمات قد يجد فيها الكثيرون تناقضا مع ما تقدمه، فهي تؤكد في هذه الكلمات على حالة الحنين التي تعيشها إلى الدلالات الأخلاقية والعاطفية حيال العديد من شخصيات الرسوم المتحركة والرموز السينمائية القديمة التي عرفتها أثناء طفولتها ومراهقتها، يوم كانت الحرب تعصف بلبنان وتحبس صغاره وشبابه في البيوت وفي الملاجئ.

نجد هذا الكلام جليّا ربما في لوحة واحدة من أعمالها المشغولة بمادة الأكريليك، حيث تحشد فيها بتقنية عالية وذوق مرهف مجموعة من الشخصيات الكرتونية كميكي ماوس وبياض الثلج وبينوكيو في تداخل مع أيقونات السينما والموسيقى كفيروز وصباح وجون لنون وعبدالحليم حافظ. كما سيعثر المشاهد في هذه اللوحة الغنية على بعض أسماء وشعارات سلع تجارية لبنانية وأجنبية على السواء، كانت كثيرة التداول آنذاك وإلى اليوم كـ”البيبسي كولا” و”التشيكلس”.

الفنانة اللبنانية والمهندسة المعمارية رانيا عطوي ركزت في أعمالها على الشاطئ البيروتي بداية بعين المريسة وصولا إلى منطقة الروشة

أما في الأعمال الأخرى فيبرز التناقض بين ما تقوله الفنانة وما تقدمه أحيانا في قلب اللوحة الواحدة، فثمة عدوانية كامنة تجاه شخصيات كرتونية بطولية و”خيّرة” من أمثال سوبرمان، كما تبدو المرأة في بعض الأعمال أبعد ما يكون عن شخصية “بلانش نيج” الناصعة والذكية في آن واحد. وقد يكون هذا “اللغط” في المعنى الحاضر في قلب اللوحات من أهم العناصر التي تجعل من عمل الفنانة ميراي مرهج أعمالا لافتة وقوية في بنيانها.

أما الفنان العراقي رياض نعمة فتقدمه الصالة بهذه الكلمات “باستعمال الطوابع البريدية يجسد الفنان التناقض بين إصدارات الحكومة مع صور الناس على الطريق ومع أبطال الروايات اليومية التي تعمل خلافا للقصص الرسمية وتاريخها”.

وبعد أن يتعرف المُشاهد على الإطار البريدي ينصرف إلى تأمل الوجوه التي انتقاها الفنان من الشارع العربي وليس فقط من الشارع العراقي، فهناك الطفل الذاهب إلى مدرسته والمراهق الذي يخبّئ عينيه من وهج الشمس والمُلثم بالكوفية، كلها شخصيات حقيقية تستحق أن تخلد في طابع بريدي رسمي أكثر مما تستحقه وجوه السياسيين الغافلين عن حاجات وآلام الشعب.

ومن خلال تقديمه لهذه الشخصيات العادية يلقي الفنان الضوء على أهميتها ليس فقط لأنها من صلب الشارع ولكن لأنها العناصر الفاعلة فيه والمبدلة لصوره خلافا لرجال السلطة المغمّسين بضباب شتائي قارس يبعدهم كل البعد عن نبض الشارع الحقيقي.

وركزت الفنانة اللبنانية والمهندسة المعمارية رانيا عطوي في أعمالها على الشاطئ البيروتي بداية بعين المريسة وصولا إلى منطقة الروشة، حيث ساهم تشارك العديد من التقنيات في تأليف نصها الفني وفي إعطاء نكهة طازجة ومُملحة بطعم البحر الأبيض المتوسط لأعمالها كسياق واحد منبثق من بعضه البعض.

وكأن في حشدها للتقنيات المتعددة من استخدام الألوان والرسومات والصور الفوتوغرافية عن الشاطئ وزواره المتنوعين، أرادت أن تنقل إحساس هذا الشاطئ بكل خصوصيته وطبيعيته إلى زائر المعرض.

اللوحات بحد ذاتها أعمال جميلة تنقل المُشاهد إلى سحر هذا الشاطئ الذي لم يقو أحد على امتلاكه وخصخصته بعد، أحضرته الفنانة إلينا كما هو في عفويته

ولعل أجمل ما في هذه الخلطة التي استعملتها الفنانة هو نجاحها في نقل نبض مرور الوقت بشكل واقعي تماما كما يمكن أن يختبره كل زائر لهذا الشاطئ، وما بدا واضحا هو ذاك الشغف بهذه المنطقة من حيث حيوية الألوان والتقاط التفاصيل التي قد لا يراها كل من اعتاد الذهاب إلى هناك.

اللوحات بحد ذاتها أعمال جميلة تنقل المُشاهد إلى سحر هذا الشاطئ الذي لم يقو أحد على امتلاكه وخصخصته بعد، أحضرته الفنانة إلينا كما هو في عفويته والمرح البسيط الذي جمع بين زواره المختلفين في الهوايات والأعمار.

غالبا ما تكون المعارض المشتركة عبارة عن جمع عشوائي لنخبة من الأعمال الفنية التي تمّ عرضها في الصالة سابقا، وغالبا ما يتم تنظيمها في فترة الصيف حين يقلّ الزائرون، لكن يبدو أن لمنظمي الصالة نظرة مختلفة تماما عن ماهية المعارض المشتركة.

معرض “بصمات مدينة” يحتضن أعمالا جديدة لم يسبق أن عرضت من قبل، كما أن المشهد الذي قُدّم بين جدران الصالة يطرح أسئلة كثيرة عن ماهية السعادة ومدى العمق الذي تؤثّر فيه التجارب الشخصية على كيفية رؤيتنا لتفاصيل الحياة اليومية والتي بدورها تؤثر في تكوين التجارب الشخصية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر