الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

سعدون جابر يوحّد العراقيين

لا أحد قدّم نفسه وفقا لدينه أو طائفته أو قوميته، بل وضعوا أيديهم متشابكة تحيي الفنان سعدون جابر وتشاركه الغناء والرقص في دبكة مشتركة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/04/07، العدد: 10595، ص(21)]

استطاع صوت سعدون جابر العذب أن يجمع شتات العراقيين في بريطانيا، ويوحّد بين مسامعهم ومشاعرهم، جمعهم حب الأم والوطن فغنوا مع سعدون بصوت واحد، لا شيء يوحي بأنهم يحملون ضغينة أو بغضاء تجاه بعضهم، يتحاورون ويتبادلون وجهات النظر من دون جدل أو جدال.

عندما كان سعدون يغني ويوظف أسماء المدن في أغانية، كانت أربيل والموصل تتوافقان مع أنغام النجف والبصرة، فيما بغداد ترتقي إلى أعلى الدرجات في المقام العراقي، بوصفها القلب النابض.

لم أشعر أنا التونسية المتواجدة في الحفل بين العشرات من العراقيين، بما هو سائد اليوم عن الخلافات والحقد والكراهية الطائفية المتصاعدة بين العراقيين بعد صعود أحزاب الاسلام السياسي للحكم، كنت أرى العراقيين في هذا الحفل الذي يمثل صورة مصغرة لكل مدن العراق مجتمعة، متآلفين ومحبين لبعضهم البعض، غنوا معا ورقصوا دبكة أو هوسة أو “جوبي” متشابكي الأيدي وملتحمين في مشهد أصبح نادرا اليوم في العراق الذي مزقته الصراعات الطائفية والانتقام.

فكرت قليلا بإحساس تونسي سائد عن العراق الذي كانت تصلنا منه الكتب الدراسية إلى مدارسنا مهـداة من أهله، وكيف كنا ننظر بإعجاب للبلد المتآلف بين قومياته وطوائفه، البلد الغني بثرواته الطبيعية، بينما أصبح اليوم صورة مشوّهة ومشتتة.

كنت أتساءل بيني وبين نفسي هل حقا العراقيون مختلفون إلى هذا الحد؟ كيف لأسرة واحدة تجمع عدة طوائف وقوميات أن ترى التقاتل بين أطرافها؟ هل حقا أن العراقي صار يطلق زوجته لأنها من طائفة أخرى؟ وهل فكر بهذه الطريقة عندما أقدم على الزواج منها، وسأل ما طائفتها أو ما قوميتها؟

كم هو مثير للانزعاج أن نقرأ في الأخبار أن بغداد مدينة السلام قد أصبحت مقسمة إلى مدن أحياء مغلقة للطائفة.

كيف ينسى العراقيون زمن الود والتآلف بينهم ويقفون خلف الجدار الطائفي الواهي الذي وضعه الإسلام السياسي؟ من الصعب الحصول على إجابات واضحة على مثل هذه الأسئلة التي تتصاعد أمام العراقيين أنفسهم.

لكنني وجدت الاجابة أسهل بكثير مما يشاع اليوم عن عراق ممزق متناحر جائع وفاسد، في حفلة قدّمها سفير الغناء العراقي سعدون جابر لعشرات من العراقيين والعرب في لندن بمناسبة عيد الأم.

كنت محظوظة أن أكون شاهدة على هذه الحفلة التي أظهرت أن العراقيين بصورة مختلفة عما شاع عنهم وبينهم منذ احتلال بلادهم، والخلاف والتقسيم ليس في بنية الأسرة العراقية ولا في عمق المجتمع، بل بين الأحزاب الطائفية الحاكمة، التي نجحت للأسف في بث الخلاف داخل المجتمع.

كان العراقيون من الفاو حتى جبال كردستان في الشمال بمختلف الأديان والطوائف ممثلين في الجمهور الحاضر، بينما اختار منظمو الحفل صالة “النادي الآثوري” للجالية المسيحية العراقية في لندن مكانا للاحتفال.

لا أحد قدّم نفسه وفقا لدينه أو طائفته أو قوميته، بل وضعوا أيديهم متشابكة تحيي الفنان سعدون جابر وتشاركه الغناء والرقص في دبكة مشتركة.

كان حفلا يمثل بلا شك صورة معبّرة وحقيقية عن المجتمع العراقي، وليس الصورة الرثة الشائعة منذ عام 2003.

ربما أغلق الكثير من العراقيين اليوم قلوبهم عن بعضهم البعض، فلم تعد تتسع لغير ما تمليه عليهم هوياتهم الطائفية، إلا أن التاريخ مازال فاتحا صفحاته ومحتضنا لقيم بلاد الرافدين التي ستظل خالدة.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر