الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

قبو القيامة

اليوم اختلف الأمر، فالأجيال لم تعد تتناقل الأحاديث والملح. إذ بعد انتشار الحروب، فعلية وإلكترونية، قرر بعض المهتمين حفظ التراث البشري، خوفا من ضياعه أو تدميره.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/04/07، العدد: 10595، ص(24)]

كان يعيش في ثلاثينات القرن العشرين، رجل عتيق يعمل في كار صناعة السروج في دكانه في سوق السروجية الدمشقي، يفصّل سروجه الجلدية وينسجها على قياس البغال والحمير وأحيانا بعض الخيول. غير أن صداقة عميقة جمعت ذلك الرجل بأحد رؤساء الحكومات، فصار يحضر مناسباته الاجتماعية.

أبوسليمان السروجي كان ثرياً، لكنه حافظ على صنعته، وعاش ساخراً سليط اللسان. ولأن غالبية ضيوف رئيس الوزراء لم يكونوا يعرفونه عن كثب، فقد كان يستغل هذا، مدعيا أنه خياط حتى يتمكن من النيل منهم.

وكثيرا ما قال لأحد الوزراء “والله إن وزارتك من أنجح الوزارات، لذلك سوف أفصّل لك بدلة لم تر مثلها عيناك”. ويقصد أنه سوف يفصل له سرجا كالذي يوضع على البغل، فيضحك الذين يعرفون مهنته على دهشة وابتسامة الوزير.

وقد يشاهد أحيانا وهو يتحدث مع أحد السفراء الأجانب وفجأة يخرج من جيبه متر الخياطة الملفوف على بعضه، ويبدأ بقياس ظهر السفير وكتفيه. وكان المزاج العالي والاحترام المفترض ضمنا بين الناس يسمحان بتلك الممازحات التي تتناقلها الأجيال.

اليوم اختلف الأمر، فالأجيال لم تعد تتناقل الأحاديث والملح. إذ بعد انتشار الحروب، فعلية وإلكترونية، قرر بعض المهتمين حفظ التراث البشري، خوفا من ضياعه أو تدميره. وهكذا أصبح لدى العالم ما يعرف باسم “قبو القيامة” أو “القبو الرقمي” وهو الآلية التي ستُجمع بها المعلومات بكل ما فيها من يوميات ومقالب وتراث.

و”الأرشيف العالمي القطبي الشمالي” عبارة عن أرشيف رقمي للبيانات العالمية غير المتاحة مباشرة على الإنترنت موفرا لها الأمن والحماية لتخزينها ألف عام من أجل المستقبل.

وعلى الكوكب اليوم، لدينا قبو رقمي يدعى “غروف 3” على جزيرة سفالبارد في النرويج. تقوم شركة بيكل بالشراكة مع شركة مناجم الفحم النرويجية الحكومية بتشغيله، مستعملة أليافا ضوئية عالية الدقة لتدوين المعلومات بعد حفظها على “فيلم بيكل”.

لكن الحضارة الإنسانية لم تنتج البيانات وحسب، بل إنها خالطتها بشيء آخر، لذلك فإن الحفظ الأرشيفي، للحظات البشرية الأكثر حساسية، كومضات الاكتشافات وألم المجازر والانحطاط البشري أو التوهج الحضاري، سيُحفظ مسحوب الدسم، باعتبار أنه سيفقد الكثير من روحه، حين لا تتمكن الرقميات من تمييز مكر الإنسان، فلا تعرف هل كان سياسيا أم مخترعا أم ممثلا دراميا أم معلما أم خياط بدلات أنيقة أم صانع سروج للبشر وللدواب؟

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر