الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

من هو الليبي

الإجابة على سؤال من هو الليبي بوضوح وبشجاعة هي الأرضية الصلبة التي تقف عليها قيمة المواطنة التي ما وجدت في بلد إلا تقدم وازدهر، وما غابت عن بلد إلا تأخر واضمحل.

العرب فتحي بن عيسى [نُشر في 2017/04/12، العدد: 10600، ص(8)]

رغم بساطة هذا السؤال وربما حتى سذاجته في نظر البعض إلا أنه بالأهمية بمكان، فهو سؤال الهويّة الذي يترتب على إجابته بوضوح الكثير إن لم يكن كل الاستحقاقات ونيل الحقوق، ولا أغالي إن قلت إن الإجابة عن هذا السؤال تشكل أرضية لمفهوم التعايش السلمي في ليبيا، ومقدمة لازمة لإنهاء حالة الاحتراب العبثي التي نعيشها اليوم.

إجابة هذا السؤال جاءت ملتبسة في مسودة دستور ليبيا الذي حقق رقما قياسيا في الوقت الذي احتاجه إنجازه، ولم ينجز رغم مرور سنتين على عمل هيئة صياغة مشروع الدستور، فعندما أراد واضعو هذا الدستور الإجابة عن السؤال “من هم الليبيون؟”، قالوا “الشعب الليبي يتكون من عرب وأمازيغ وطوارق وتبو وغيرهم”.

نعم كتبوا بكل أريحية “وغيرهم”، في دلالة على عمق أزمة الهويّة التي نعيشها، حيث دلت كلمة “وغيرهم” على أننا لا نعرف بعد ولم نتفق على مفهوم مصطلح الشعب الليبي؛ هل هو عرق واحد وحيد؟ أم أعراق شتى متعايشة؟ أم نتاج تزاوج ومصاهرة هجرات تمت عبر التاريخ؟

لقد ترتبت على عدم اتفاقنا على تعريف جامع لمصطلح “ليبي” والإجابة بدقة متناهية عن السؤال الوجودي “من هو الليبي” ضبابية في مفهوم المواطنة وحقوقها التي تقتضي التساوي واختفاء مصطلحات من قبيل أقلية وأكثرية وأصليين وغير أصليين، وبالتالي مزاجية مفهوم الحقوق والواجبات.

ويمكن أن نلحظ هذا التوهان عندما ناقض كتبة الدستور الحلم أنفسهم؛ حيث قرروا أن الليبيين والليبيات متساوون في الحقوق والواجبات ودعوا إلى ترسيخ مفهوم المواطنة، وهذا كلام جميل، إلا أنهم نكصوا على أعقابهم فوضعوا قيودا على المرأة الليبية فيما يتعلق بمنحها الجنسية لأبنائها واعتبار زواجها من غير الليبي منقصة ومثلبة تقتضي أن تنزل درجة في سلم المواطنة الدستوري، في حين اعتبروا زواج الليبي من الأجنبية منقبة ومفخرة ولا ينقص من مواطنته، فيحق له أن يمنح أبناءه الجنسية الليبية رغم أن زوجته غير الليبية قد تكون على غير دين الأب والمجتمع المتفاخر بأنه محافظ ومتديّن.

الدعوة إلى إعلاء قيمة المواطنة وترسيخها وجعلها نمطا حياتيا يجب أن يسبقها بالضرورة التوافق والاتفاق على تعريف جامع مانع للشخصية الليبية، ما هي مكوناتها ومحدداتها؟ وما هي معايير وسم إنسان ما بأنه ليبي أو ليبية؟

إن الدعوة إلى إعلاء قيمة المواطنة وترسيخها وجعلها نمطا حياتيا في رأيي يجب أن يسبقها بالضرورة التوافق والاتفاق على تعريف جامع مانع للشخصية الليبية، ما هي مكوناتها ومحدداتها؟ ما هي معايير وسم إنسان ما بأنه ليبي أو ليبية؟

فهل سنعود مثلا إلى الكتاب الرابع الموسوم بالكتاب الليبي لأبي التاريخ هيرودت الذي مضى على وفاته الآن 2440 عاما والذي ذكر أسماء القبائل الليبية في عصره مثل قبيلة الأدروماخيداي والجليجاماي والأسبوستاي، إلى آخر القائمة، أم سنعتمد هجرة ما ونلغي ما عداها؟ ومن يملك هذا الحق؟ ومن يحدد عدد السنوات اللازم أن تكون مضت على تحول شخص ما إلى ليبي هاجر إلى هذه الأرض من بلاد العرب أو الترك أو العجم؟ وبالتالي هل نكتفي بعامل الولادة على هذه الأرض كي يكون منتميا لها أم نشترط شروطا أخرى؟ وهنا قد يقول قائل أن يكون مولودا لأب وأم ليبية. ليبقى السؤال وما هو معيار وسم الأب أو الأم بأنهما ليبيان؟

هل ندخل عوامل أخرى مثل الدين، أو حب هذه الأرض والتضحية من أجلها والموت في سبيلها إن لزم الأمر، أم لا؟

منذ شهور قام اليهودي الديانة الليبي المولد والنشأة (ولن أقول الأصل حتى تتفقوا على تعريف لهذا التأصيل) رافائيل لوزان بعرض صورة له ممسكا بجواز سفر ليبي جديد، فتراوحت ردود الأفعال ما بين مرحبة ترى في إيحاء الصورة أنه ليبي من حقه الحصول على جواز سفر ليبي، وما بين غاضب رافض بحجة أنه يهودي لا يحق له الحصول على هذا المستند باعتبار اليهود ليسوا ليبيين، رغم أن مصادر تاريخية ذكرها الباحث موسى المنفي في بحثه “يهود ليبيا” تقول بوجودهم في ليبيا منذ قرون، فبعد أن استعرض المصادر وفنّد أغلبها خلص للقول “والرأي الأكثر قبولا والأقرب إلى الصحة من الناحية التاريخية وتتفق عليه معظم الدراسات والمصادر هو الذي يحدد بداية استقرار اليهود في ليبيا منذ عصر البطالمة في مصر حيث أسر بطليموس الأول الكثير من اليهود أثناء غزواته على فلسطين منذ عام 312 قبل الميلاد وأدخلهم في جيوشه وأوفد أعدادا من اليهود إلى مدينة قورينا عاصمة إقليم برقة وشجع بطليموس الأول فيما بعد الهجرات اليهودية إليها في شكل جماعات منظمة ذات صبغة عسكرية مكونة من الأسرى حيث استخدمهم للتدخل في شؤون قورينا مستغلا الصراع بين أحزابها لبسط سيطرته عليها”. ليستمر وجودهم في ليبيا حتى العام 1967 أي أن وجودهم استمر حسب المنفي 2279 عاما.

في الختام أقول لهواة تحريف الكلم عن مواضعه، هذه المقالة تسعى للحث على التفكير في جواب للسؤال البسيط الساذج في صيغته، العميق في بعده من هو الليبي؟ فالإجابة عليه بوضوح وبشجاعة هي الأرضية الصلبة التي تقف عليها بشموخ قيمة المواطنة التي ما وجدت في بلد إلا تقدم وازدهر، وما غابت عن بلد إلا تأخر واضمحل.

إعلامي ليبي

فتحي بن عيسى

:: مقالات أخرى لـ فتحي بن عيسى

:: اختيارات المحرر