السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

في 'الدفاع عن المقدسات' وعودة التشدد الديني في تونس

عدم قيام التونسي بفرائضه وممارستَه لحريته في الكتابة والتعبير لا يدلان على إلحاد أو كفر لأنه في أعماقه مسلمٌ مؤمن إيمانا عميقا.

العرب د. إبراهيم بن مراد [نُشر في 2017/04/13، العدد: 10601، ص(9)]

تعدّدت في المدة الأخيرة الأحداث والمواقف السياسية المتشنجة الصادرة عن الإسلام السياسي في تونس، وهي مذكرة بما كان يُرى ويُسمَعُ في فترة حكم الترويكا.

هي مشاهد قد داخلت حياة التونسي وأصبحت تزعجه وتثير قلقه. فقد كان قبل يناير 2011 يحيى حياته الدينية العادية: يقيم صلواته بصفة عادية وينتظر شهر الصيام فيصومه ويتقرب إلى الله في الشهر المبارك ويتوق إلى أداء فريضة الحج فيؤديها إن استطاع؛ كما كانت قوانين البلاد تسمح لمن لا يريد أن يصلي أو أن يصوم إما اختيارا وإما اضطرارا بألا يقوم بشعائره.

كما كان يحس بأمن روحي إذا فكر أو كتب أو خطب فلا يحدث له ما حدث للطاهر الحداد مثلا في بداية السنوات الثلاثين من القرن الماضي بسبب نشره كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” من تكفير.

على أنّ عدم قيام التونسي بفرائضه وممارستَه لحريته في الكتابة والتعبير لا يدلان على إلحاد أو كفر لأنه في أعماقه مسلمٌ مؤمن إيمانا عميقا.

وهو يعلم أن جماعة إسلامية ذات مرجعيات إخوانية كانت تنشط في البلاد وكانت لها طقوسها في الاستقطاب تشبه الفرق الدينية المتطرفة التي عرفها التاريخ الإسلامي وكانت خارجة على إجماع الجماعة، ولكن هذه الجماعة لم تستطع النفاذ إلى عمق المجتمع لأن إسلامه “الوسطي”- بما للوسطية من مفهوم حقيقي- كان يحميه من الانزلاق إلى التطرّف.

وقد اعتقد بعد “الثورة” وخاصة بعد كتابة دستور جديد أنه قد خلص من كثير من القيود الدينية التي كانت الجماعة الإسلامية تريد فرضها عليه بعد أن وصلت إلى السلطة فمارستها وفشلت فيها وأخرجت منها.

ومما وافقت الجماعة على إدراجه في دستور يناير 2014 “حرية المعتقد والضمير”، ولكن موافقتها كانت نتيجة ما يحيط بالفصل الذي ذكرت فيه هذه الحرية- وهو الفصل السادس من الباب الأول- من الغموض الناتج عن “التوافق” بين الجماعة والمجتمع المدني توافقا أدّى إلى ضرب من التناقض الظاهر: فقد جاء فيه “الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودُورِ العبادة عن التوظيف الحزبي. تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدسات ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف والتصدي لها”.

والفصل كما يلاحظ إنشائي متداخل قائم على ترضية الشقين المتقابلين في المجلس التأسيسي، ولكن ترضية الشق الديني كانت أقوى. فإن في الفصل عبارتين تكادان تبطلان مفعول ما عداهما فيه، هما “الدولة راعية للدين”- بينما يفترض في دولة مدنية أن لا يكون لها دخل في الممارسة الدينية- و”تلتزم الدولة (…) بحماية المقدسات ومنع النيل منها”، ولك أن تجتهد ما شئت في تأويل معنى “المقدسات” التي تقوم الدولة بحمايتها ومنع النيل منها فستجد دائما من ينبهك إلى أن مفهومه للمقدسات أعمق من مفهومك لها.

فإن المقدسات تشمل كل ما يمس الممارسة الدينية سواء منها ما ورد في النصوص الدينية المرجعية مثل الكتاب والسنة، أو ما ورد في كتابات الفقهاء واجتهاداتهم. ويكفي أن تكون الدولة راعية للدين حامية للمقدسات ومانعة للنيل منها حتى لا يكون لعبارة “كافلة لحرية المعتقد والضمير” المعنى الذي يحَمّلُهُ الشق المدني من المجتمع إيّاها.

وقد عرف التونسيون في الأيام الأخيرة أحداثا كثيرة دالة على أن عبارة “حرية الضمير والمعتقد” كانت مجرد شعار مُعَوّمٍ تحت واجبات الدولة نحو الدين. وقد بدأ الدفاع عن المقدسات بتنظيم المتشددين من أتباع الإسلام السياسي في شهر فبراير الماضي احتجاجات في مدينة جربة- وهي مدينة سياحية مشهورة مقصودة- أمام مطعم سياحي تقدم فيه الخمرة والمطالبة بغلقه دفاعا عن “الأخلاق الحميدة”، ثم المطالبة بإغلاق حانةٍ في محطة الجرف بجربة أيضا، ثم انتقلت الاحتجاجات التي شهدت مظاهر عنف إلى مدينة الجمّ للمطالبة بغلق نقطة لبيع الخمر في إحدى مغازات المدينة كانت السلط قد رخصت لها ببيعها، وقد شارك في هذه الاحتجاجات العنيفة بعض نواب النهضة في البرلمان، والحجة هي الدفاع عن المشاعر الدينية للمتديّنين؛ ثم انتقلت الاحتجاجات إلى صفاقس وكانت في البداية ضد “حرية التعبير” إذ حرّض رضا الجوادي الإمام المعزول من جامع اللخمي على مسرحية “ألهاكم التكاثر” وعلى مخرجها نجيب خلف الله بدعوى أن عنوانها مستمد من آية قرآنية وأن في ذلك تعديا على المقدسات، ثم أخذ المبادرة مجلس اسمه “المجلس النقابي الوطني للأئمة وإطارات المساجد” فبعث عدل تنفيذ ومحضر تنبيه إلى المسرح الوطني الذي أنتج المسرحيّة مطالبا إياه بإيقاف المسرحية، ثم كانت خاتمة القصة بالاعتداء على المخرج ذات ليلة في الظلام بآلات حادة فأصيب بأضرار جسدية بالغة، ولا شك أن الإمام المعزول وأعضاء ما يسمى بالمجلس النقابي للأئمة يجهلان مئات الشواهد القرآنية والحديثية التي تمتلئ بها النصوص القديمة الشعرية مثل شعر أبي نواس والنثرية مثل مقامات بديع الزمان الهمذاني، فضلا عن النصوص الحديثة، ولم نر في القديم أو في الحديث من اشتكى من اعتداء أصحاب تلك النصوص على المقدسات الدينية.

بل إن الدفاع عن “المقدسات” قد يشمل مختلف مناحي الحياة العامة التي لا تتفق وأهواء الجماعة، وذلك ما نتبينه من هجوم بعضهم على ما سماه “ثقافة الاستهتار” في مقال منشور له في الأسبوع الماضي في جريدة إسلامية، ومن مظاهر الاستهتار في نظره “استهتار بالحريات العامة، نتيجة الفهم الأعرج لها.

والناس فيها صنفان: صنف الحرية عنده هي أنه لا حدود للتعبير عن كل ما يجول في خاطره وباطنه ونشره فضيلة كان أو رذيلة (…)، وصنف حاقد على كل ما هو مقدّس ومتعارف عليه من دين وقيم وعادات وتراث”.

وإذا كانت “حرية الضمير والمعتقد” من الحريات العامة حسب الدستور فإنها تصبح حسب هذا المنطق من الرذائل معبرة عن حقد ممارسيها على “كل ما هو مقدّسٌ”.

والغريب أن الأحداث التي ذكرناها والمواقف التي نقرؤها ونسمعها تقع كلها على مرأى ومسمع من السلط “المدنيّة” التي قد تنساق إلى تنفيذ رغبات المحتجين سواء بإغلاق ما سمحت بفتحه من قبل من نقاط بيع الخمر مثل الذي حدث في مدينة الجم، أو بالصمت على ما حدث لمسرحية “ألهاكم التكاثر” ومخرجها رغم أن في ذلك قراءة عرجاء شوْهاءَ للفصل السادس من الباب الأول من الدستور.

ويختبئ وراء هذه الأحداث والمواقف كلها الإسلام السياسي في البلاد، وقد كان أصحابه منذ تنظيم النهضة لمؤتمرها العاشر يبشرون بأنهم قد خرجوا من مرحلة “الإسلام السياسي” إلى مرحلة “الإسلام الديمقراطي” الذي يغلّب السلوك السياسي الديمقراطي على التوجه الديني الدعوي. وقد شكّك أكثر المتابعين للشأن السياسي في تونس في هذا التحول “المفاجئ”.

وما يحدث هذه الأيام من التحركات والاحتجاجات دفاعا عن “المقدّسات” دليل على أن “التوجه الدعوي” ما زال مغلّبا. وهو ليس مغلّبا في سلوك الأتباع والمؤيدين في المجتمع فقط بل إننا نجد له آثاره في سلوك بعض أعضاء الحزب في مجلس النواب مثلا. وقد نقلت لنا الصحافة المكتوبة في الأسبوع الماضي مشاهد من مناقشات بعض اللجان في مجلس نواب الشعب مثل “لجنة التحقيق حول شبكات التسفير” إلى بؤر التوتّر التي تسعى إلى الكشف عن شبكات التسفير، و”لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية” التي ناقشت “مشروع قانون محاضن ورياض الأطفال”.

أما “لجنة التحقيق حول شبكات التسفير” فلم تبدأ أشغالها بعد لأن من أعضائها النهضويين من لا يريد لها فيما يبدو أن تشتغل، بل يبدو أن رئيستها- حسب ما صرحت به- تلقى ضغوطا خارجية قوية لتعطيل أعمال اللجنة. وأما اللجنة الثانية فقد اقترحت عليها وزيرة المرأة والأسرة والطفولة حذف فصل من مشروع القانون يدعو إلى وجوب أن تعمل رياض الأطفال على “تأصيل الأطفال في هويتهم العربية الإسلامية”، وغاية الوزيرة هي تحييد روضات الأطفال عن كل معطى ذي بعد إيديولوجي، وقد أثار هذا المقترح ثائرة الإسلاميين فقام أحدهم يهدّد الوزيرة بالعمل على سحب الثقة منها، وطالبت إحدى النائبات بالزيادة من تعميق التعليم الديني بالروضة ودعت إلى إدخال مادة تجويد القرآن الكريم فيها.

ولم تكن الوزيرة على خطإ لأن الروضة التي تعمل على تأصيل الهوية الإسلامية في الطفل وهو لم يبلغ السادسة من عمره بعد لا تختلف عن الروضات القرآنية التي تعمل على تنشئة أجيال من المتشددين دينيّا، وقد ظهرت وازدهرت بدعم من الإسلام السياسي في فترة حكم الترويكا التي قادتها النهضة لسهولة استقطاب المتخرجين منها واستِتْباعهم.

وليس الطفلُ التونسي في مراحل الروضة والتعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي في حاجة إلى تأصيل الهوية الإسلامية فيه لأنها متأصلة بطبيعتها بحكم وجوده في مجتمع مسلم، ولكنه في حـاجة ماسة إلى تكوين الملكة النقدية فيه وفتح فكره على آفاق الفكر العالمي الحداثي النير الذي يشده إلى المستقبل.

كاتب وجامعي تونسي

د. إبراهيم بن مراد

:: مقالات أخرى لـ د. إبراهيم بن مراد

د. إبراهيم بن مراد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر