الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

أزهار الكيبورد

آخر ما تفكر به الحياة اليوم، هموم الكاتب. بل على العكس، إنها تدفع به إلى آخر قائمة اهتمامات البشر، مع أن كل شيء بين أيديهم هو من صنع خياله وأفكاره وكلماته ويده التي كتبت.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/04/14، العدد: 10602، ص(24)]

كثيرا ما أعدت مشاهدة ذلك الفيلم، الذي تستولي فيه امرأة في منطقة نائية على بول شيلدون. وهو كاتب شهير يقتل إحدى بطلاته في رواية من رواياته. وحين يحاول الذهاب لتسليم نص الرواية إلى الناشر، تنحرف سيارته في الثلج.

لكن امرأة في الحياة الحقيقية لا تقبل بهذا. ولأنها من قرائه المهووسين المتعلقين بشخصياته الروائية، تعثر عليه، فتقيّده وتحبسه في بيتها، دون أن تطلب منه شيئا سوى أن يكتب الجزء الجديد من روايته كما تريد هي، بعد أن تقوم بحرق مسوداته، معيدا الحياة إلى البطلة هذه المرة، وحين يحاول الكاتب التمرد تربطه إلى السرير من يديه ورجليه، وتأتي بمطرقة عملاقة، وتهوي بها على رجليه فتكسرهما، كي لا يفكر بالهرب مجددا.

كان اسم الفيلم "ميزيري" وهو مأخوذ عن رواية لستيفن كينغ، وأدى فيه البطولة جيمس كان ومعه كاثي بيتس والتي حازت عن دورها فيه على الأوسكار.

كان شيلدون يكتب بآلة كاتبة، لكن الكتاب عندنا اعتادوا حتى عهد قريب على الكتابة بالقلم. وهو زمن يبدو أنه قد ولى تماما، غير أني شخصيا أؤجل إعلان ذلك، فأعد نفسي بكتابة كتاب ذات يوم بالقلم، كما أيام زمان. أما العصر الذي نعيشه اليوم فهو عصر ما بعد الكيبورد، إذ أن الكتابة كلها لم تعد ضرورية.

العالم يتغير بسرعة أم أن موجات تسونامي تكنولوجية ضخمة تغمره سرعان ما ستغيض عن الأرض وتنحسر من جديد، ليعود كل شيء إلى ما كان عليه؟

آخر ما تفكر به الحياة اليوم، هموم الكاتب. بل على العكس، إنها تدفع به إلى آخر قائمة اهتمامات البشر، مع أن كل شيء بين أيديهم هو من صنع خياله وأفكاره وكلماته ويده التي كتبت.

كان الناس في الماضي يكتبون بالطبيعة وبناتها، بالعود المقصوص من شجرة في أيديهم، على ورق مستخرج من نبات أمامهم.

وكثيرا ما تخيل الكتاب في شرق الأرض وغربها وعبر العصور، أن غصنا سيندفع من الأقلام وهي تجري بالحروف والكلمات، وستخرج منه وريقات خضر وتتفتح منه زهرة بروح الربيع، لكن هذا لا يمكن أن يحصل مع كيبورد كربوني لا يفهم بالسقاية ولا بالعطر ولا بطريق النحل.

قديما قالوا إن يد الخطاط تبقى ترتجف بالقصبة حتى يتقن الحرف. فإن أتقنه ثبتت يدُه وارتجف قلبه. أما اليوم فما الذي سيرتجف ويداه خاويتان؟

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر