الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الإرهاب الرياضي.. تكتيك جديد أم عقيدة متأصلة لا تستثني أحدا

اللعبة الأكثر شعبية في العالم يستهدفها العنف الإرهابي الذي قوي منسوبه في أوروبا خصوصا بعد تنامي نفوذ اليمين المتطرف في دولة داخل دول الاتحاد التي يستعد بعضها لإجراء استحقاقات انتخابية هامة قد تعيد رسم خارطة جديدة للقارة الأوروبية.

العرب حبيب المباركي [نُشر في 2017/04/14، العدد: 10602، ص(7)]

لا يمكن فصل دلالات الاعتداءات الإرهابية التي طالت عددا من المدن الأوروبية عن السياق العام لظاهرة العنف والتطرف عموما. بدا أن ملامح خارطة جديدة قيد التشكل في مستوى الأساليب والتكتيكات المستعملة لبلوغ المعتدين أهدافهم لكن الهدف يظل واحدا، وهو إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا.

من هجوم بالشاحنة في مدينة نيس وبرلين، مرورا بلندن ووصولا إلى الهجوم الأخير في قلب العاصمة السويدية ستوكهولم، يظهر أن رابطا يجمع بين كل هذه العمليات في مناطق متفرقة من أوروبا، وهو المناسبة أو الظرف وخصوصا الحالة التي يكون عليها هذا الهدف، وضعية تجمع لمارة أو مشاة في مكان ما، سهرات وحفلات ليلية وغيرها من الأهداف الواضحة والمعلن أغلبها مسبقا.

لكن خلافا لعمليات الدهس بالشاحنات لاح تكتيك جديد تتوخاه العناصر الإرهابية للوصول إلى أهدافها قد خرج من مرحلة المخبر نحو التفعيل على الأرض. وهو ما يمكن أن نطلق عليه “إرهاب الملاعب” أو ما يسمّى الإرهاب المشروط بالأحداث والمواعيد الرياضية الكبرى.

ووقع الثلاثاء (12 أبريل 2017) اعتداء على حافلة النادي الألماني لكرة القدم دورتموند عندما كان اللاعبون في طريقهم إلى ملعب المباراة، التي كانت من المقرر أن تجمعهم بموناكو الفرنسي في ذهاب دور الثمانية لبطولة دوري أبطال أوروبا. وانفجرت ثلاث عبوات ناسفة بعد مغادرة الحافلة الفندق الذي كان يقيم به فريق بوروسيا دورتموند.

وهذا ليس أول حادث إرهابي يستهدف مجال كرة القدم، حيث وقع في موفى سنة 2015 تفجير على ملعب سان دوني بضواحي باريس أثناء لقاء أوروبي لكرة القدم جمع منتخبي فرنسا مع ألمانيا تبناه تنظيم الدولة الإسلامية.

ورغم أن الاعتداء على دورتموند لم يخلف أضرارا مادية كبيرة ولم يسفر عن ضحايا وقتلى عدا إصابة لاعب الفريق مارك بارترا ورجل أمن، إلا أنه فتح الباب أمام تأويلات لدى المهتمين بقضايا الإرهاب والمراقبين للشأن العام الأمني في ألمانيا وبقية أوروبا والعالم.

التحدي الأكبر الذي تخوضه الجماعات الإرهابية ضد أهدافها في أوروبا وبقية العالم يتلخص في عناصر عديدة تبني عليها هذه الجماعات أساليبها في الاعتداء والوصول إلى أهدافها.

أول هذه العناصر أن يكون الاحتياط الأمني أقل كثافة ومستوى محاذير التوقع لم تصب أهدافها في أحيان كثيرة. والعنصر الثاني والأهم هو اختيار الهدف بحكمة وتدبّر يتبع ذلك تنسيق كامل مع عناصر على شكل ذئاب منفردة يتم زرعها، مهمتها الأساس الدعم والإسناد وتسهيل العمليات المطلوب القيام بها.

ويقوم العنصر الثالث والأخير على المباغتة وشل الحركة ومن ثمة التفجير تتبعه تفجيرات مماثلة في أكثر من مكان. والهجوم الأخير على حافلة اللاعبين في ألمانيا يعطي الدليل على مثل هذه الأساليب المتوخاة في الاستهداف.

يقول المحققون في البحث عن المشتبه بضلوعهم في العملية التي وصفها مسؤولون في الشرطة المحلية إنه “اعتداء محدد الهدف”، علما أن السلطات الألمانية تعتمد أسلوبا حذرا في وصف الهجوم بأنه “عمل إرهابي”. فيما يفترض مسؤول في الشرطة بمدينة دورتموند الواقعة غرب برلين يدعى غريغور لانغي أن يكون “الاعتداء محددا ضد فريق دورتموند”.

أعلنت الشرطة الألمانية أن التحقيق جار في احتمال أن يكون “دافعا إسلاميا” محتملا يقف وراء التفجيرات الثلاثة التي استهدفت الثلاثاء حافلة تقل لاعبي نادي بوروسيا دورتموند لكرة القدم، بعد العثور على رسالة في الموقع تشير إلى اعتداء برلين الذي تبناه تنظيم الدولة الإسلامية نهاية العام الماضي. فيما أعلن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم بعد الحادث عن اتخاذ تدابير أمنية عاجلة عبر تعزيز الدوريات ونشر أعداد كبيرة من العناصر الأمنية حول الملاعب التي ستحتضن المباريات لاحقا، فيما تعهد مسؤولو النوادي بعدم “الخضوع للإرهاب”.

ألمانيا، كما أوروبا، واقعة تحت سيل من الهجمات الإرهابية الدامية. دوافع عديدة وراء هذه الهجمات بعضها مكشوف وبعضها الآخر يأبى الظهور للعلن. السؤال الأهم في هكذا مستوى من التحليل يفترض حتما الوقوف عند العلاقة السببية بين الإرهاب المقرون بالرياضة وظاهرة محركة للفعل الإرهابي ولا تقل عنه أهمية وهي ظاهرة العنصرية؟

الإرهاب مهما كان دوافعه، مُدان ولا يوجد ما يبرره، لكن التكتيكات الأخيرة توحي باقتران الفعل الإرهابي بالعديد من الأحداث الجارية في العالم، وملاعب كرة القدم ليست بمعزل عن هذه الأحداث. إذ لطالما قادت صافرات استهجان ضد لاعبين محددين، تغذيها عوامل كراهية وتمييز عنصري إلى حدوث أعمال شغب داخل بعض الملاعب في أوروبا.

حادثة الغاني كيفين برنس بواتينغ، لاعب خط وسط نادي ميلان الإيطالي الذي غادر الملاعب في أكثر مرة، تقيم الدليل على هذا النوع من الممارسات. اللاعب صرح قائلا “هذا الأمر كان له تأثير كبير عليّ”، مضيفا “كنت أسمع تقليدا لأصوات القردة قادما من المدرجات بعد خمس دقائق من انطلاق المباراة كلما لمست الكرة”. وتابع “في البداية لم أعر الأمر اهتماما ولكن الهتافات والأصوات العنصرية بدأت تزداد لاحقا فذهبت إلى حكم المباراة وقلت له “لو تكرر هذا الأمر سأغادر الملعب”.

عنف ملاعب كرة التقدم وما يترتب عن بعض الممارسات العنصرية في هذه الرياضة باتا يضعان مستقبل اللعبة على خط النار، خصوصا في ظل الاستحقاقات القادمة وعلى رأسها مسابقة كأس العالم التي ستحتضنها روسيا عام 2018.

في هذا السياق تأتي دعوة الاتحاد الأوروبي الذي أعلن أنه ستتم، بالتعاون مع الشرطة وأجهزة الأمن والأندية، “مراجعة كافة الترتيبات الأمنية للمباريات وأن الإجراءات الأمنية سيتم تعزيزها كلما اقتضت الحاجة ذلك”. وقال الاتحاد إنه “على رغم عدم وجود معلومات استخبارية محددة تتعلق بأي تهديد للمباريات نرغب في أن نؤكد للفرق والمسؤولين والمشجعين أن الاتحاد يشدد دائما على اتباع أعلى معايير الأمن والسلامة في مباريات المسابقات”.

اللعبة الأكثر شعبية في العالم يستهدفها العنف الإرهابي الذي قوي منسوبه في أوروبا خصوصا بعد تنامي نفوذ اليمين المتطرف في دولة داخل دول الاتحاد التي يستعد بعضها لإجراء استحقاقات انتخابية هامة قد تعيد رسم خارطة جديدة للقارة الأوروبية.

صحافي تونسي

حبيب المباركي

:: مقالات أخرى لـ حبيب المباركي

حبيب المباركي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر