السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

سنة العراق ممكورٌ بهم

سنة العراق لا يناسبهم شيء آخر سوى العروبة، هذا تاريخهم ولا ينبغي حصارهم ثقافيا ودفعهم دفعا نحو الإرهاب.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2017/04/17، العدد: 10605، ص(8)]

كلما مرت الذكرى السنوية لاحتلال بغداد المصادف لـ9 أبريل 2003 ينقسم العراقيون طائفيا. فالشيعة يعتبرونه تحريرا ويوما بهيجا والسنة يعتبرونه احتلالا ويوما أسود. إن الإنسان لا يكره الخير لنفسه وإذا كان 9 أبريل 2003 يوما جيدا للشيعة فمن حقهم الاحتفال به كيوم عيد، ولكن لماذا يعتقد السنة وبعض الأقليات بأنه لم يكن يوما سعيدا؟ لماذا لا نرى البهجة بالصفحات السنية والمسيحية على التواصل الاجتماعي؟ هل يكرهون الحرية؟ هل يحبون الدكتاتور؟ لا أعتقد ذلك. بعض المكونات تعرضت لظروف صعبة بعد الاحتلال. فقدت الأمان والكرامة وتعرضت للتهجير والإبادة.

الولايات المتحدة انتبهت متأخرا إلى أن الصراع الطائفي في العراق قضية خطيرة، فقد حدث انبعاث لمفهوم الأمة القديمة وتهدد استقرار الدول والعالم. شيء طبيعي أن تتشقق الأرض وتنفجر الحركات المتطرفة ليس في العراق فقط بل في العالم بأسره. إنه لذو مغزى أن يكون خليفة داعش مواطنا عراقيا. من مصلحة الولايات المتحدة النزول في العراق وطرد إيران، وتغيير الدستور، وإلغاء قوانين ملاحقة السنة. لا بد من استرضاء سنة العراق وإنهاء الحرب الطائفية. لا بد من طريقة ما لإنهاء الحرب الأهلية، ولا بد من عودة التوازن.

منذ سقوط بغداد قال الحكماء إنه على الشيعة الابتعاد عن الإسلام السياسي لأن ذلك سيدفع السنة إلى استدعاء الإسلام المضاد. وهذا معناه القاعدة وداعش والخلافة ومشكلة الإرهاب التي تهدد العالم. السنة كأغلبية مسلمة تحاول التخلص من التاريخ العثماني والخلافة منذ تأسيس الدول العربية الحديثة، وليس في مصلحة أحد إحياء هذه الطموحات الدينية.

ماذا يمكن أن يكون أكثر وضوحا من ليلة سقوط الموصل بيد داعش عام 2014 حيث امتلأت شوارع المدينة بصور صدام حسين حتى أمر الدواعش برفعها. إن حصار الناس وجدانيا سيؤدي في النهاية إلى ألّا يبقى عندهم خيار سوى التطرف الديني.

رئيس الوزراء حيدر العبادي مؤهل لأن يكون بداية حل في العراق. رجل يحمل دكتوراه بالهندسة من مانشستر، وهو أساسا نصف بريطاني ونصف عراقي بحكم حياته الطويلة في لندن، نشأ في عائلة بغدادية ميسورة ومتعلمة ببغداد. أبوه الطبيب الخاص للرئيس السابق أحمد حسن البكر، ويختلف كثيرا عن نوري المالكي الذي قضى حياته في السيدة زينب والحسينية الحيدرية.

منذ زيارة وزير الخارجية السعودي إلى بغداد صارت تصريحات العبادي أكثر واقعية وشجاعة. قال مؤخرا إن الشعوب بينها احترام وعلاقات تاريخية وضرب مثلا العلاقة بين الشعب العراقي والسعودي. التاجر من الناصرية إذا تعامل مع تاجر في جدة، والأستاذ الجامعي من النجف إذا حاضر في جامعة الرياض وتعلق بتلاميذه السعوديين سيحدث انفتاح طبيعي ويهيمن جو صحي من التعايش والمحبة.

هناك أنباء تبشر بخير اليوم. فقد تحدث وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي مؤخرا عن إلغاء قانون المساءلة والعدالة في الوزارة، وإصدار جواز سفر لأي مواطن مهما كان انتماؤه ومن ضمنهم “عوائل النظام السابق” ولا يسحب منه الجواز مهما كان السبب إلا بصدور أمر قضائي. هذا القرار سينهي حقبة سوداء من العسف والظلم بحق سنة العراق.

هناك أشياء السياسي الحكيم لا يتعرض لها مثل الحب لبعض الزعماء، حتى لو كان ذلك الزعيم أحمق. السياسة الأردنية مثلا ذات تقاليد عقلانية راسخة وعلاقات مع أوروبا وأميركا والخليج، توازنات وسياسة واقعية. مع هذا بعض الناس في الأردن معجبون بصدام حسين دون أن يتعارض ذلك مع ولائهم لملكهم ووطنهم، قضية عادية. الحب لا تمكن السيطرة عليه. ليس مطلوبا من السلطات تكليف المخابرات بإلقاء القبض على كل أردني عنده صورة صدام حسين، بل المطلوب منها ألا تقع بالأخطاء الفادحة التي وقع فيها صدام حسين. لو تصرفت الحكومة العراقية بهذه الحكمة مع سنة العراق بدلا من ملاحقتهم بقانون “المساءلة والعدالة” و“اجتثاث البعث” والصدامية لما وصلنا إلى ما نحن فيه اليوم.

هناك حصار أميركي على النفوذ الإيراني بالعراق، وهناك ضربة أميركية صاروخية للنظام السوري، والزعيم الشيعي مقتدى الصدر يدعو بشار الأسد إلى الاستقالة، وحيدر العبادي رئيس الحكومة رجل مقبول ومعتدل. هذا انقلاب كبير في الواقع العراقي نتيجة لجهود دبلوماسية عربية وعالمية.

طالما الشيعة عندهم أحزاب إسلامية ومرجعية ومتمسكون بالعملية السياسية والمحاصصة لا خلاص لسنة العراق إلا بحزب قومي علماني مشابه للبعث يحميهم من الإسلام السياسي وفي نفس الوقت يشبع وجدانهم وذاكرتهم. العرب لا يدعمون الإسلام السياسي خصوصا (السني) لا إخوان ولا غيرهم، وسنة العراق قبائل وريف واسع لا يفهم الليبرالية كثيرا، فلا بديل عن القومية والعروبة أو إلغاء جميع الأحزاب في العراق.

منطقة الفراغ بالحوار العراقي كانت دائما هي أن الشيعة لم يعطوا السنة دورا. قانون اجتثاث البعث وانشغال الشيعة باللطميات وإعلان النصر الطائفي والزيارات المليونية والزعماء الدينيو، والتبعية لإيران، والميليشيات المسلحة دون أن يخطر على بالهم السؤال ماذا يفعل السنة بالمقابل؟

دون العروبة والقومية لا خيار أمامهم سوى داعش والخلافة. وبسبب الفراغ صار البيت الواحد به أربعة أخوة: واحد بعثي، والثاني داعشي، والثالث إخوان مسلمين، والرابع صحوة مسلحة تطارد هؤلاء لصالح الحكومة. يقولون إن السنة معاقون عقليا وبحاجة إلى وصاية شيعية عليهم. المعاق عقليا الدول المتقدمة تعالجه وتشجع الشركات على منحه عملا حتى يحس بأهميته وكرامته.

لنفترض سقط نظام الأسد في سوريا هل المطلوب ملاحقة العلويين واجتثاثهم بحجة محبة الدكتاتور؟ على السوريين التعلم من التجربة العراقية بحيث تعمل الحكومة السورية الجديدة على المصالحة لأنه لا يمكن اقتلاع الأسد من قلوب بعض العلويين خصوصا في حال حدوث استقطاب طائفي.

الكويت مثلا التي أنفقت الملايين من الدولارات على المثقفين لأجل الحملة على صدام حسين الذي أحرق نفطها وشرد أهلها واحتل البلاد، كيف تأثرت في ما بعد بالاستقطاب الطائفي؟ ولكثرة ما صار شيعة الكويت يستفزون سنتها صار الكويتي مثل الدكتور عبدالله النفيسي يمتدح صدام على أنه قاهر المد الصفوي. هذا موضوع يحتاج إلى فهم وليس إلى إنكار.

الاستفزاز كان قويا، فالدعوة إلى الديمقراطية الشيعية وحكم الأغلبية في العراق وتمجيد الاحتلال الأميركي كان يرافقها رفض لتجربة مشابهة في سوريا. هذا شكل غضبا ومشكلة أخلاقية، والديمقراطية العراقية أصبحت مشروعا إيرانيا وتحالفا مع الأسد وحزب الله وإرسال ميليشيات تدافع عن النظام السوري.

يدعون العقلانية بينما الناس تموت تحت البراميل المتفجرة. ويقولون نحن ندافع عن السيدة زينب. مقام سيدة متوفاة قبل أكثر من ألف سنة حتى إذا هدمه المتطرفون يمكن أن نعيد بناءه أفضل مما كان. فلماذا دعم نظام قمعي والتدخل في شؤون بلاد مجاورة تحت قيادة إيرانية؟

البارحة قال متحدث باسم ميليشيات الحشد الشعبي الطائفي إنهم يعتزمون القتال مع قوات الأسد في سوريا بعد انتهاء معركة الموصل. وهناك اليوم 30 ألف مسلح من الميليشيات الإيرانية تقاتل مع الأسد بين حرس ثوري وحزب الله وميليشيات عراقية وأفغانية وباكستانية. دول الخليج نجحت بإقناع العالم أن الإرهاب السني له باعث طائفي متمثل بالسياسة الإيرانية في المنطقة.

هناك تفاؤل وخطوات إيجابية في العراق، والإرهاب يتراجع لكن سنة العراق خصوصا ممكور بهم ونزفوا الكثير من الدماء والقرى والمدن، وقد آن الأوان للاقتراب من هذا الشعب المظلوم ودعمه وإعادة رجال النظام السابق والكفاءات الإدارية، وعدم حظر الأحزاب العروبية والقومية. سنة العراق لا يناسبهم شيء آخر سوى العروبة، هذا تاريخهم ولا ينبغي حصارهم ودفعهم نحو الإرهاب.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر