الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

هذا ما يريده السودان من مصر

النظام السوداني يريد تأكيد قدرته على تخليصه من علاقة تاريخية لا تزال خيوطها ملتبسة على كثيرين، بل يستطيع أن ينهي ما يمكن وصفه بـ'الوصاية' المصرية، وهو ما يضرب مجموعة من العصافير بحجر واحد.

العرب محمد أبو الفضل [نُشر في 2017/04/17، العدد: 10605، ص(9)]

المتابع للتذبذب الحاصل في العلاقة بين مصر والسودان، يحتار في إيجاد تفسير مقنع للتردي الظاهر، فما إن يتم إخماد أزمة بمسكنات معينة، إلا وتنشب أخرى بحجج مختلفة، المهم أنّ هناك توترا مستمرا وصفه البعض بـ“المماحكة” التي تبحث عن تحقيق هدف خفي يدور في رأس الخرطوم.

لو أردنا الحديث عن الوقائع فهي كثيرة، وغالبيتها يقع دون إنذارات سابقة، بدءا من اتهام مصر بالتدخل في شؤون السودان وحتى ملف حلايب وشلاتين، لكن خلال الأيام الماضية تطوّر الأمر لدرجة اتهام القاهرة بالتآمر على الخرطوم في مجلس الأمن، ووقوف الأخيرة علانية بجانب أديس أبابا.

سألت بعض المصادر الدبلوماسية في مصر عن تفسير ما يحدث من السودان، فلم أجد سوى تقديرات عادية ومكررة، من قبيل التغطية على استمرار علاقة النظام السوداني بجماعة الإخوان، ومحاولة توسيع نطاق التقارب بين الخرطوم وكل من قطر وتركيا المعروفتين بخصومتهما للقاهرة.

لكن عندما يبلغ التصعيد السوداني حد استضافة قيادات من النوبة المصريين والتحريض، هنا تبدو المسألة في طريقها لمزيد من التأزم، لأن المتاجرة بملف النوبة من الخطوط الحمراء التي تلامس الأمن القومي، لوجود صلات اجتماعية وروابط تاريخية بين النوبة في جنوب مصر وإخوانهم في شمال السودان، عند منطقة تماس حدودية ربما تكون مغرية لبعض المنغصات.

إذا كانت مصر حسمت مبكرا التعامل مع النوبيين باعتبارهم جزءا من النسيج الوطني، ووضعت سياسات إستراتيجية تحُول دون توظيفهم، فهناك من يدغدغون المشاعر بذرائع متباينة، مستفيدين من الأجواء الإقليمية التي تحض على إعادة رسم خريطة المنطقة، لذلك قد تفهم تدخلات السودان في هذا الإطار.

كلنا يتذكر الزيارة الشهيرة التي قامت بها الشيخة موزة والدة أمير قطر الشهر الماضي لشمال السودان، والإشارة لحضارته العريقة والغمز الذي صاحب الكلام عن امتلاك السودان لثلاثة “هريمات” تناهز الأهرامات المصرية الشهيرة.

ثم تطوّر الحديث على مواقع التواصل الاجتماعي لتأكيد أن السودان يتفوق على مصر في حضارته، وما إلى ذلك من مهاترات بين رواد مواقع التواصل، لم تخلُ من دلالات سياسية، والتعبير عن رغبة عارمة للتملص من علاقة تاريخية ربطت بين البلدين، يوحي سياقها العام بوجود هيمنة مصرية على السودان.

التفسير عندي أن المماحكات بأشكالها وأنواعها المختلفة، تقف عند الجانب الدعائي، وتنطوي على رسائل للداخل، والخرطوم لم تُقْدم على تصرفات عملية تغيّر من الثوابت التقليدية، وكل التصورات التي ساقتها والممارسات التي أقدمت عليها تقول إن الهدف الأساسي هو المواطن السوداني.

يريد النظام السوداني تأكيد قدرته على تخليصه من علاقة تاريخية لا تزال خيوطها ملتبسة على كثيرين، بل يستطيع أن ينهي ما يمكن وصفه بـ“الوصاية” المصرية، وهو ما يضرب مجموعة من العصافير بحجر واحد.

فهي تصلح لتعزيز مكانة النظام السوداني في نظر المواطنين، وتمنحه حضورا معنويا مطلوبا، وتساعده على التخفيف من الضغوط والأزمات المتفاقمة، وتجعل الحديث عنها إعلاميا مؤيدا لما يتم ترويجه بأن مصر تستهدف البلاد.

ناهيك عن ما تقدّمه هذه الرسالة من مردود إيجابي على مستوى العلاقات مع بعض القوى الإقليمية المناهضة لمصر، أو التي تريد أن تظل القاهرة مشغولة بهمومها، ولا تستفيق من الأزمات التي تلاحقها، من باب الإرهاب والمناوشات الحدودية والمائية.

الواقع أن القاهرة تمسك بخيوط حقيقية على الأرض، وهو ما يجعلها تتحلى بضبط النفس، وتتفهم أبعاد كل تجاوز سياسي، وتتعامل معه في إطاره التكتيكي وليس الإستراتيجي، وتنأى عن الانجرار خلف المنغصات التي تظهر فجأة، وتطفئها بطريقة دبلوماسية في سياق عمق العلاقة بين البلدين والمصالح المشتركة. والدليل أن الأيام الماضية كانت الأعلى في مستوى الخلافات، وحاولت الخرطوم تفجير مشكلات مرّت عليها شهور وأعوام، كأن تتحدث أخيرا عن موقف القاهرة من قرار مجلس الأمن لتمديد العقوبات على السودان صدر في 8 فبراير الماضي.

وتشير إلى تحركات يقوم بها الجيش المصري في حلايب وشلاتين المتنازع عليهما، مع أن مصر تحكم سيطرتها على هذه المنطقة منذ نحو عشرين عاما، وتتحرك مؤسساتها بحرية تامة، واتخذت سلسلة من الإجراءات بما يؤكد مصريتها عمليا.

لعل قيام التلفزيون المصري الرسمي وسط هذه المشكلات، بنقل شعائر صلاة الجمعة الماضي من مسجد جمعون بمدينة شلاتين، ينطوي على معنى سياسي مهم يؤكد أن مصر تحكم وجودها المادي والمعنوي في هذه المنطقة، ما يجعل الحديث السوداني يدور في فلك المضمون الدعائي فقط.

التصرف المصري يمكن تفسيره في إطار عدم استبعاد التخلي عن سياسة ضبط النفس، لأن القاهرة لديها أوراق إذا استخدمتها سيكون ذلك موجعا للنظام السوداني، وتصرّ على التمسك بسياسة التريث لأنها لا تملك رفاهية الدخول في نزاعات جانبية تؤدي إلى خسارة الطرفين. وتعي أن ما تريده الخرطوم من القاهرة يخرج عن النطاق المتعارف، لأن قوة كل دولة وضعفها تخرج من رحم سياقات تاريخية، ولا يمكن أن تأتي بقرارات سيادية، كما أن فكرة الوصاية والهيمنة عبثية، ومن السهولة دحضها بما تملكه الدولة المعتدى عليها من قدرات سياسية واقتصادية وثقافية.

تقديري أن اجتماعات اللجنة المصرية السودانية المشتركة الخميس المقبل في الخرطوم، لن تكون مثل سابقاتها التي تعقد وتنفض دون أن تتمخض عنها تطوّرات إيجابية، تخفف المرارات السياسية، لأن وزير الخارجية المصري سامح شكري يذهب هذه المرة وفي حقيبته قائمة طويلة من الملفات والأسئلة الشائكة بحاجة إلى إجابات شافية، لمنع تكرار المماحكات مستقبلا.

النتيجة التي ستخرج بها الاجتماعات حال انعقادها في توقيتها بالخرطوم، يمكن أن تكون كاشفة لمصير العلاقة، خاصة أن مصر تسعى ليكون الحوار إستراتيجيا يرسم الخطوط العريضة التي يلتزم بها كل طرف مستقبلا، قبل أن يتزايد الغضب المكتوم ويخرج إلى السطح، يومها سوف تترسخ العقدة، بما يضاعف من صعوبة إزالتها.

كاتب مصري

محمد أبو الفضل

:: مقالات أخرى لـ محمد أبو الفضل

محمد أبو الفضل

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر