الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

أحداث مصر وغياب دور الأزهر

الدعوات تكررت لتجديد الخطاب الديني، لكن الأزهر لم يقم بشيء بما في ذلك مراجعة مناهجه التي تتماهى في مقاطع كثيرة منها مع مقولات الإرهابيين وترفد المتطرفين بمبررات للأعمال الإرهابية التي يرتكبونها.

العرب د. سالم حميد [نُشر في 2017/04/17، العدد: 10605، ص(9)]

جاءت أحداث استهداف الكنيستين المصريتين الأسبوع الماضي لتكشف من جديد عن مكامن الخلل الفكري في الخطاب الديني والمؤسسة الدينية الأبرز في العالم العربي وهي مؤسسة الأزهر. وهناك إجماع على أن تباطؤ وعدم جدية الأزهر في مراجعة التراث وإحداث تجديد جوهري لمعالجة منطلقات الخطاب الديني أدى إلى اتخاذ القيادة المصرية قراراً بتشكيل مجلس أعلى لمواجهة الإرهاب، وهذا القرار يعبّر عن فشل الأزهر في اتخاذ خطوات إصلاحية جذرية لمواجهة الإرهاب، في ظل عدم وجود خطاب فكري مواز يمكنه الوقوف في وجه التطرف. وكانت الدعوات قد تكررت لتجديد الخطاب الديني، لكن الأزهر لم يقم بشيء بما في ذلك مراجعة مناهجه التي تتماهى في مقاطع كثيرة منها مع مقولات الإرهابيين وترفد المتطرفين بمبررات للأعمال الإرهابية التي يرتكبونها.

وسبق أن تناولنا ضرورة تنقية كتب التراث الإسلامي والتعامل معها بوصفها اجتهادات فردية يستغلها كهنة التطرف باسم الإسلام ويعتبرونها مراجع لفتاواهم التكفيرية. كما تناولنا في وقت سابق أهمية تجاوز أسلوب التلقين في التعليم وأهمية تطوير المناهج. وإذا كان أقطاب التطرف يكفّّرون أتباع المذاهب الإسلامية فإن نظرتهم إلى أصحاب العقائد الأخرى تكون أشد تطرفا، وهذا المنظور المتشدد هو الذي أدى إلى استهداف كنائس الأقباط في مصر واستهدف السلم الأهلي والأمن القومي للشعب المصري.

مما يعني أن مصر والعالم العربي بشكل عام في حاجة ملحة لجرعات من التسامح في عقول طلاب العلم لكي يتم وأد الفتنة وقطع الطريق أمام البغاة الذين يستهدفون استقرار الشعوب. وللأسف فإن مناهج التعليم القائمة في الكثير من المجتمعات العربية لا تزال تخدم ميول التطرف والإرهاب، ولا بد من مراجعتها.

إن مؤسسة الأزهر الذي يعتبر أكبر مؤسسة دينية في مصر والعالم العربي، كان المعني الأول بالقيام بمهمة تعزيز الوسطية والاعتدال، ولكن نتيجة لوقوعه في فخ البيروقراطية تم سحب هذه المهمة منه وإحالتها إلى مجلس جديد يترقب المتابعون الخطوات التي سيقوم بها في هذا الجانب.

وبالإضافة إلى عوائق البيروقراطية، يبرز سؤال مشروع بشأن جدوى انتظار قيام الأزهر بتجديد الخطاب الديني بينما هو غير قادر على تعزيز الوسطية لدى أشخاص يحسبون على الأزهر وتخرجوا فيه؟ وأقرب مثال على هذه الفئة من المتطرفين المدعو يوسف القرضاوي، فهو أحد خرّيجي الأزهر، بينما يزخر أرشيفه الشخصي بالعديد من العبارات والدعوات الأشد تطرفاً بحق الأقباط وكنائسهم. وهناك تغريدة قديمة متداولة على لسان القرضاوي يدعو فيها إلى تدمير الكنائس. وفي الأحداث الأخيرة تهوّر القرضاوي ونشر تغريدة تتشفى بسقوط ضحايا في مصر ولم يحدد موقفه من المجرمين بل حاول تبرير الجريمة، ثم سارع إلى حذف التغريدة بعد أن انتشرت وكشفت موقفه المؤيد للإرهاب ولاستهداف الآمنين.

بعيداً عن القرضاوي المعروف بتطرفه وتماهيه مع الإخوان المتأسلمين، فقد سبقه في الدعوة إلى هدم الكنائس شيخ جامع الأزهر في القرن الثامن عشر أحمد الدمنهوري الذي صدر له مؤلف بعنوان “إقامة الحجة الباهرة على هدم كنائس مصر والقاهرة”، والعجيب أن هذا الصنف من الدراسات لا يزال يدرس في الأزهر، فإذا ما استمرت المؤسسات التعليمية بتلقين الطلاب مضامين كتب التراث المتطرفة فإن حلم التسامح سيظل بعيد المنال، وسنبقى نراوح بين طرف يدين الجريمة وآخر يتشفى بوقوعها.

وأصدق تعليق ما جاء على لسان الباحث المصري إسلام بحيري الذي قال “القنبلة ليست في الكنيسة البطرسية بل في كتب المذاهب والتراث”. ونذكر بأحد أشهر الكهنة والمتاجرين بالدين المدعو محمد العريفي، الذي صرّح في مقابلة تلفزيونية بعدم جواز زيارة المسلم للكنيسة لأن فيها شرك بالله، لكنه في مقطع مرئي آخر يقوم بزيارة كنيسة في إحدى الدول الغربية وعلى وجهه ابتسامة عريضة مصحوبة بعبارات الود للقسيس!

وختاماً فقد كان الدرس مؤلماً رغم أن مصر لم تكن بحاجة لسقوط ضحايا لكي يدرك أهلها أهمية قيمة التسامح، لأن التسامح من أسس الحياة ولا غنى عنه لأي مجتمع.

كاتب إماراتي

د. سالم حميد

:: مقالات أخرى لـ د. سالم حميد

د. سالم حميد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر