الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

'العرب'.. بعد 40 عاما على التأسيس و11 عاما على رحيل المؤسس

مما يحسب للمؤسس أن رؤاه الاستشرافية جعلته يستبق الأحداث بتحذيره من ظاهرة الإسلام السياسي ومن الأطماع الإقليمية وخاصة الإيرانية.

العرب محمد الهوني [نُشر في 2017/04/19، العدد: 10607، ص(7)]

في لندن، معقل الصحافة الغربية.. ولدت “العرب” سنة 1977. وبين تاريخ صدور العدد الأول (1 يونيو 1977) وتاريخ وفاة مؤسس “العرب” الحاج أحمد الصالحين الهوني في 18 أبريل 2006، تاريخ طويل عايشت خلاله “العرب” أحداثا شتى تفاعلت معها وأثّرت فيها، وأثبتت أنها لم تكن يوما “مغامرة” بل مشروعا طموحا وناجحا، ولم يزدها رحيل مؤسسها إلا إصرارا على المضي قدما.

عندما تأسست صحيفة «العرب» الدولية في لندن قبل 40 عاما، كان الوالد المؤسس يدرك أنه يقتحم آفاقا جديدة لم يسبق أن ارتادتها الصحافة العربية المكتوبة، وأنه يخوض معركة وجود هدفها إطلاق صوت عربي حر، غير خاضع لأمزجة الأنظمة، وبعيدا عن تسلط الحكّام، يستفيد من فضاء الحريات في المملكة المتحدة، ويخاطب من عاصمة الضباب وطنا عربيا واحدا، جزأته الخلافات والصراعات السياسية والأيديولوجية، فحولته إلى كانتونات متفرقة غير قادرة على توحيد خطها الإعلامي والثقافي والحضاري.

لقد اختارت «العرب» أن تكون صوت من لا صوت لهم، وأن تعبّر عن القيم والمبادئ القومية العربية، وأن تخاطب الإنسان العربي من المحيط إلى الخليج بصوت الحكمة، دفاعا عن العروبة الحضارية وعن الإسلام الوسطي المعتدل، وعن القضايا القومية العادلة، وأملا في أن تجد هذه الأمة ضالتها في مشروع قومي واحد، قادر على إنارة سبيلها، وتنوير مسارها، وتوحيد صفوف أبنائها في وجه الأطماع الإقليمية والدولية.

انطلقت «العرب» على يد مؤسسها المغفور له بإذن الله تعالى أحمد الصالحين الهوني الذي مرت يوم 18 أبريل الذكرى الحادية عشرة لرحيله، والذي أراد لصحيفة «العرب» أن تكون فوق الأيديولوجيات المنغلقة وفوق الحسابات السياسية الضيقة، وأن تتحول إلى فضاء حرّ للأقلام المؤمنة برسالتها القومية والإنسانية وللفكر التنويري الثاقب، والرؤى الاستشرافية النافذة والمواقف العروبية الصادعة بالحق والناطقة باليقين.

عكست «العرب» في جانب كبير منها شخصية الوالد المؤسس، العربي العروبي حتى النخاع، والإنسان المندمج في أفق الإنسانية الرحب، والليبرالي المدافع عن قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، والإصلاحي المتجذّر في ثقافة النهضة والأنوار، والتقدمي المغامر الذي يرى أن لا مستحيل يمكن أن يعيق الإرادة ولا عراقيل يمكن أن تحول دون تحقيق الأهداف الكبيرة طالما وراءها عزيمة صلبة وثبات راسخ.

كما كان واثقا من أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، فـ«الرأي قبل شجاعة الشجعان، هو أول وهي المحلّ الثاني» وفق البيت الشهير لأبي الطيب المتنبي الذي جعل منه شعارا لصفحة «الهايد بارك» تماهيا مع الحديقة اللندنية الشهيرة.

قبل 40 عاما، حلّ الوالد المؤسس في عاصمة الضباب. واختار لنفسه ولأسرته مسكنا بالقرب من قصر الملكة، التي كان يخصص افتتاحية سنوية بمناسبة عيد ميلادها في الحادي والعشرين من شهر أبريل، شاكرا لها توفير المناخ الذي مكنه من إطلاق صوت «العرب».

ومن هناك، من لندن، حيث كانت تدار كواليس السياسات العالمية، ومنها السياسة المتعلقة والمتصلة بالوطن العربي، دشنت الصحيفة تجربتها الفريدة التي أغرت في ما بعد جهات وأطرافا أخرى بإصدار عدد مهم من الصحف والمجلات العربية، منها ما صمد، ومنها ما أطاحت به عاصفة التحولات المتلاحقة التي شهدتها المنطقة العربية في العقد الأخير من القرن الماضي.

ولعلّ استمرار صحيفة «العرب» لأربعة عقود في أداء وظيفتها الإعلامية التنويرية، يعود بالأساس إلى متانة الأعمدة التي تأسست عليها، ومنها المهنية والحرية وحكمة التسيير والحفاظ على الثوابت وعدم الانسياق وراء الشعارات والارتفاع عن الصغائر والدفاع عن العروبة والإسلام الحضاريين، دون انخراط في الفتن والصراعات المذهبية والطائفية والعنصرية، ودون انحياز لغير الحق والعدل والخير والسلام.

كما أن استمرار «العرب» ناتج عن تبني المؤسسة لجيل من الصحافيين والكتّاب والفنيين والإداريين ضمن أسرة موسعة لم تخضع للشللية، وإنما تعلمت من الوالد المؤسس أن هذه المؤسسة يمكن أن تكون نموذجا ناجحا لوحدة عربية تجمع أفرادا من أغلب الأقطار العربية، حيث العراقي والسوري والمصري والسوداني والليبي والتونسي والمغربي والجزائري والخليجي يلتقون تحت سقف العروبة التقدمية والمهنية المحافظة على شرفها والعمق الإنساني الذي يبقى عماد النجاح داخل أي مؤسسة.

مما يحسب للوالد المؤسس أن رؤاه الاستشرافية جعلته يستبق الأحداث، بتحذيره من ظاهرة الإسلام السياسي ومن الأطماع الإقليمية وخاصة الإيرانية، ومن المؤامرات التي يمكن أن تعصف بالوطن العربي بعد نهاية الحرب الباردة، وهو ما أثبتته الأيام في ما بعد.

وجعل من «العرب» منبرا إعلاميا متصالحا مع مواقفه السابقة، ومستمرا في أداء وظيفته بنفس الهوية الفكرية والمبدئية التي انطلق بها، والتي تتبناها اليوم جحافل من الصحافيين والمراسلين الميدانيين والكتاب والمحللين والباحثين سواء ضمن فريق «العرب» أو ضمن شقيقتها صحيفة «العرب ويكلي» الناطقة باللغة الإنكليزية ومجلة «الجديد» الفكرية الأدبية المدافعة عن قيم الحداثة والمدنية.

لقد أثبتت الأيام والأعوام صحة ما آمن به ودافع عنه الوالد المؤسس الحاج أحمد الصالحين الهوني من أن التنوير أساس التحرير وأن العقل جوهر كل بناء وأن العروبة قيمة حضارية وثقافية وإنسانية تتجاوز الأيديولوجيات الضيفة وترتفع فوق حسابات المصالح الآنية لأصحابها، وأن البقاء للأصدق والأعمق، مهما حاول البعض الإيحاء بغير ذلك.

رئيس التحرير والمدير العام

محمد الهوني

:: مقالات أخرى لـ محمد الهوني

محمد الهوني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر