الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

اللبنانيون بين التمديد والتأهيل والتهديد

هذه الصيغة الطائفية تأتي لتؤسس لمرحلة متقدمة من الانقسام الطائفي والمذهبي تعزز مواقع القوى الغاصبة للسلطة وتؤبد سيطرتهم، إضافة إلى أنها تعد مخالفة صريحة للدستور الذي يعطي الحق لجميع المواطنين بالترشح والاقتراع دون أي تمييز.

العرب عديد نصار [نُشر في 2017/04/20، العدد: 10608، ص(8)]

تضع القوى الغاصبة للسلطة وللمؤسسات الدستورية اللبنانيين بين خيارات تتراوح بين التمديد لمندوبيها في اغتصابهم للندوة البرلمانية، وبين قوانين التأهيل الطائفي الانتخابية التي تعيد إنتاج نظام سيطرتها وبين التلويح بالحرب الأهلية.

هذه القوى، التي لم تكن تنقصها فضائح جديدة، تتمسك بالسلطة رغم ما أوصلت البلاد إليه من اهتراء وإفلاس على جميع المستويات.

ففي مؤتمر واشنطن للبرلمانيين الذي نظمه البنك الدولي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، وردا على الوفد البرلماني اللبناني قال رئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم “إن البنك ومؤسسات دولية أخرى كررت في مناسبات كثيرة عدم تمكّنها من مساعدة لبنان، إلا إذا كان يريد مساعدة نفسه”.

في حين أعلنت رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد “ضرورة قيام البرلمانات بالرقابة على الحكومات ومحاسبتها لمحاربة الفساد، ومعرفة أين تذهب أموال المساعدات الدولية التي تستفيد منها بلدانهم وكيف”. لكن لاغارد لا تعرف ممن يتشكل البرلمان في لبنان وكيف يتشكل وما هو دوره؟

لم تمر ليلة 12-13 أبريل على اللبنانيين كغيرها، وبدا واضحا إرهاب القوى المسيطرة على الشارع بشارع يرقص على شفير الحرب الأهلية.

عشية الذكرى الـ42 لاندلاع الحرب الأهلية (13 أبريل) تقدم النائب نقولا فتوش (عراب قوانين التمديد السابقة) باقتراح قانون معجل مكرر للتمديد للمجلس النيابي قرّر على إثره رئيس المجلس نبيه بري عقد جلسة للبرلمان لإقرار هذا الاقتراح يوم 13 أبريل. فما كان من رئيس الجمهورية ميشال عون إلا أن استخدم حقه الدستوري تبعا للمادة 59 من الدستور لتعليق جلسات البرلمان لمدة شهر.

في الوقت الذي كان التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية يستعدان للتظاهر أمام البرلمان في “قوطبة” واضحة على تحرك الشارع الرافض للتمديد “ولمن أوصلنا إليه”.

ورغم الحبكة المسرحية في المشهد الدرامي آنف الذكر، وجهود أبطاله الصريحين الثلاثة: نقولا فتوش ونبيه بري والرئيس عون، والمتابَعين بدقة من قبل من لا تسهو عيونه عن السيناريو حزب الله، فإن تلك المشهدية متعاقبة الصور أعادت إلى أذهان اللبنانيين فظاعات الحرب الأهلية في ذكراها السنوية.

وكانت القوى السياسية قد تجاوزت قانون الانتخابات النافذ (قانون الستين) خلافا للدستور الذي يفرض ضرورة احترام القانون ما لم يصدر قانون آخر يلغي مفاعيله. فلم تتقيد بالمهل ولم تدع الهيئات الناخبة إلى الانعقاد ولم تشكل هيئة مراقبة الحملات الانتخابية. باختصار، الحكومة ورئاسة الجمهورية ارتكبتا مخالفة صريحة للقانون.

وكان وزير الخارجية (رئيس التيار الوطني الحر) جبران باسيل قد تقدم بمشروع قانون انتخابي على مرحلتين: التأهيل على أساس القضاء (أكثري) والانتخاب على أساس المحافظة (نسبي). الملاحظات التي أثارتها القوى السياسية المختلفة حول المشروع لم تتناول جوهر القانون بقدر ما كانت على الشكل.

فما تقدم به باسيل يلحظ فوز (تأهل) مرشحين اثنين عن المقعد الواحد على مستوى القضاء (الدائرة الصغرى)، في حين أن عددا من القوى السياسية يريد لثلاثة مرشحين أن يتأهلوا على مستوى القضاء، وعدد آخر يريد لمن يحقق عشرة بالمئة من الأصوات أن يتأهل بغض النظر عن العدد، بينما يعترض آخرون على حجم القضاء.

باستثناء الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط، لم يواجه هذا المشروع اعتراضا على جوهره الطائفي المذهبي الذي يفرض التأهيل على أساس طائفي بحيث يقترع أتباع كل مذهب لمرشحي المذهب نفسه فقط. ليكون التأهيل تأهيلا طائفيا مذهبيا بامتياز.

هذه الصيغة الطائفية تأتي لتؤسس لمرحلة متقدمة من الانقسام الطائفي والمذهبي تعزز مواقع القوى الغاصبة للسلطة وتؤبد سيطرتها. إضافة إلى أنها تعد مخالفة صريحة للدستور الذي يعطي الحق لجميع المواطنين بالترشح والاقتراع دون أي تمييز. يحجب هذا القانون الحق في الترشح بشكل كامل عن عدد كبير من اللبنانيين حين يحجب عنهم حق الاقتراع في الجولة الأولى.

وعندما نتذكر عبارة رئيس البرلمان نبيه بري، في معرض تعليقه على مظاهرات العام الماضي “لولا الطائفية لسحبونا من بيوتنا”، يمكننا الاستنتاج أنه في حال عدم التوافق بين الأطراف السياسية المسيطرة على قانون انتخابي، يعزز الانقسامات الطائفية والمذهبية وتكون نتائجه المعروفة سلفا على مستوى تلبية شروط إعادة إنتاج نظام سيطرتها، فإنها لن تتورع عن التمديد لبرلمانها للمرة الثالثة غير عابئة باعتراضات الشارع ولا بكون ذلك يمثل اغتصابا صريحا للسلطة وللمؤسسات.

فلقد اعتادوا تجاوز القوانين واغتصاب السلطة والركون إلى الانقسامات التي تمنع إسقاطهم في الشارع خصوصا أن طرفا بقوة حزب الله وبسلاحه يرعى هذا النظام ويمحضه القدرة على الاستمرار. ولكن إلى متى؟

في ظل هذا الاهتراء الشامل، يتساءل المرء عن احتمالات الشارع وعن قدرة المعترضين والمناهضين لقوى النظام على الدفع به إلى مواجهة جديدة مع هذه القوى في غياب تنظيم حقيقي يؤطرهم ويفعل دورهم ليشكلوا النقيض الفعلي الذي يهدد استمرار هذه السيطرة وهذا الاغتصاب المتمادي للدولة ولمؤسساتها.

كاتب لبناني

عديد نصار

:: مقالات أخرى لـ عديد نصار

عديد نصار

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر