الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

مكافحة الإرهاب والرؤية بعين واحدة

  • الإرهاب آفة تهدد جميع الدول دون استثناء، وتتنوع طرق التصدي والمكافحة بحسب المدارس المبتكرة في الدول الغربية، لكنها تظل قاصرة وعديمة الجدوى، ما لم تتمّ دراسة بنى المجتمعات الإسلامية من الداخل وعلاقاتها بالنظم السياسية السائدة، والجنوح إلى ثقافة الاعتدال على اعتبار أنّ المسألة الدينية وسيلة في يد الإرهاب وليست سببا في انتشاره، كما أنّ محاصرة التطرف يمكن أن تشكّل ذريعة للمزيد من تقييد الحريات لدى الأنظمة التي تغيب فيها الديمقراطية ويحضر الاستبداد..

العرب هوازن خداج [نُشر في 2016/08/17، العدد: 10368، ص(13)]

مكافحة الإرهاب ينقصها شيء آخر غير الجيوش والتدابير الأمنية

اتخذت ظاهرة الإرهاب تحولات عدة وتنوعت طبيعة المنفّذين لعملياتها الإجرامية التي طالت مؤخرا العديد من البلدان العربية والغربية، فشكّلت في السنوات الخمس الماضية تهديدا لا يمكن التغاضي عنه للأمن والاستقرار العالميين.

بعد أن صار العالم مسرحا للهجمات الإرهابية، أصبحت مسألة مكافحة الإرهاب والحفاظ على الأمن تشكل إحدى أولويات الدول، وقد اعتمدت الدول الغربية في استراتيجية مكافحة الإرهاب، حسب ما أورده مركز فيريل للدراسات ببرلين، على ثلاث مدارس تفترض وجود علاقة قوية بين الإرهاب وطبيعة المجتمـع العقائدية، واتخاذ أفراده موقفا سلبيا من فكرة وجود مجتمع مدني متسامح ومتعدد الأديان.

المدرسة البريطانية: وتعتمد ما يسمى سياسة “المنع”، والأسترالية: التي اتخذت منذ 2012 نهجا يسمى “الخطة الوطنية لمكافحة الإرهاب”، والأميركية: التي اعتمدت منذ 2011 ما يسمى بـ“الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب”.

المدارس الثلاث تمزج بين القوة الناعمة والمفرطة التي تُطبّق تبعا لظروف كل دولة لتفادي تفاقم التوترات الدينية، فالاستراتيجية الحكومية في تلك البلدان تعمل على زيادة مناعة المجتمع الإسلامي ضد تسلل الفكر الإرهابي عبر تعزيز الشعور بالانتماء، واستمالة الجاليات الإسلامية لتسهيل مهمة الحكومة في مكافحة التطرف، بالإضافة إلى استمالة جاليات محلية وعرقية وجماعات دينية مختلفة، لإطلاع الاستخبارات على أفراد هذه الجماعات على اعتبار أنّ مسألة مكافحة الإرهاب، هي مكافحة للإجرام الإرهابي أكثر منها حربا ضد قناعات دينية خاطئة، لكنها تؤكد أن المجتمعات الإسلامية بشكل عام، جزء من المشكلة، وأن بعض أفرادها ميّالون إلى التطرف وسيتحولون لانتهاج ممارسات إرهابية، ما لم تتم إعادة تشكيلها على نحو فعّال.

فشل إمكانية تفكيك الإرهاب ومحاربة التطرف ما لم يتم فهم النسق الاجتماعي والسياسي الذي أنتجهما

أهمية التركيز على التكوين الاجتماعي للفعل الإرهابي مسألة ضرورية لانعدام إمكانية تفكيك الإرهاب ما لم يتم فهم النسق الاجتماعي والسياسي الذي أنتجه، ولكنه لن يعطي الدلالة الكافية لفهم دوافع مرتكبي العمليات الإرهابية، أو لفهم مَن ينفرون للجهاد في مناطق الصراع نُصرة لداعش أوغيره من التنظيمات الإرهابية، من أبناء المجتمعات الديمقراطية الغربية، كما أن رد الإرهاب إلى انتماءات دينية أوعرقية، ما هو إلا لنفي المسؤولية عن الغرب في وجود هذه الظاهرة، واعتبار المشكلة ناتجة عن أوضاع داخلية في الدول العربية والإسلامية، رغم ما قامت به الدول الاستعمارية الأوروبية ثم أميركا من إعداد ورعاية للواقع الداخلي العربي في بلدان المشرق، بدءا من تغذية النعرات الطائفية إلى دعم الحكام المستبدين، وصولا إلى التدخل العسكري لإسقاط الأنظمة والتي كانت بديلتها ميليشيات مسلحة على أسس طائفية وقبلية وإثنية، أطاحت بمقوّمات الدول، فالصورة الدموية التي تغرق العديد من بلدان الشرق ما هي إلا مزيج ساهمت العديد من الأطراف في صياغته استنادا إلى واقع متخلف فكريا يسمح بالمتاجرة بالدين.

السياسة الأمنية لمحاربة الإرهاب والحفاظ على سلامة المواطنين بقدر ما تبدو ضرورة عربيا وغربيا، إلا أن تجييرها وارد في كلا الحالتين، فخضوع السياسة الأمنية عربيا لمنطق سلطوي في ظل علاقة غير متوازنة بين السلطة والمواطنين، سيجعل من الحرب على الإرهاب فرصة للتضييق على أنشطة المعارضات السياسية السلمية، واتخاذ إجراءات أو إقرار تشريعات تجاه ظاهرة الإرهاب، يتطلب المشاركة المجتمعية، وذلك لبناء الثقة وتعميقها في المجتمع، وضمان الانصياع الطوعي للقانون، وبالتالي قطع الطريق على نمو الجماعات الإرهابية، أما غربيا فوجود السياسة الأمنية انعكس سلبا على حال العرب والمسلمين، وذلك لما يرافقها من حملات تشويه وتعبئة عنصرية ضدّ كل ما يمت إليهم بصلة، وستبقى هذه السياسات قاصرة عن مواجهة نهج التطرف ووضع الحلول للإرهاب، ما دامت تتعاطى مع الدين الذي بات حاضرا في صيغة الإرهاب كسبب وليس كأداة.

طبيعة الحلول التي يجب تفعيلها من أجل استئصال ظاهرة الإرهاب ومواجهة نهج التطرف، تتطلب من الجميع الارتكاز على فكر معتدل مهما اختلف مضمونه (ديني، علماني، وطني، أو غيره)، فالاعتدال ليس قانونا عقائديا يُستند عليه للوقوف ضد الآخر، وهو الأقدر على صون المجتمعات ووضع حد للتهاوي نحو التطرف كمنهج للتفكير، وإلا فإن الحلول ستبقى قاصرة لا تتجاوز الرؤية بعين واحدة إلى إشكالية وجود الإرهاب وما يرافقها من تداعيات.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر