الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

دروس التاريخ والهوية المغيبة

ما تعيشه سوريا من صراع على الهويّة مواكب للزعزعة الجيوسياسية وما تم إيقاظه من تاريخ، يدفع نحو تشكيل وعي جديد لمسألة التّنوع الثّقافي.

العرب هوازن خداج [نُشر في 2016/08/29، العدد: 10380، ص(7)]

يشّكل مفهوم الهُوِيّة إشكالية دائمة على المستوى العالمي والدّولي، فمن النّادر أن تجد رأيا موحدا حول معنى الهويّة ومعنى الانتماء بين البشر، فكل منا يصنف دوائر انتمائه وفق اعتقاده ووفق مفهومه للهويّة، وبالرغم من أن هذه الهويّات والانتماءات تتقاطع، لكنها لا تلغي بعضها بعضا في ظل دول قادرة على إدارة قضيّة الهويّات المختلفة، بأبعادها الدّينية والإثنيّة والطّائفيّة، والماضوية “الحضارات القديمة”.

فالهويّة شأن من شؤون الدّولة تضع قواعدها وضوابطها ومرجعيّتها، ومن شروط هذه الهويّة أن تكون جامعة ومراعية لخصوصيات المواطنين الثّقافية، وإلا فإنها ستجلب ردود أفعال من الذين أنكرت هويّتهم أو تم التقليل من شأنها، وهذا ما أودت إليه حالة التّداعي والانهيار والتي أظهرت إشكالية الهويّة السُّوريّة كمسألة شديدة الإرباك والتنافر بحيث لا يمكن جمعها.

خلل الهويّة الوطنية ناتج عن عقود طويلة احتوت الكثير من الخطابات عن الوطن والوطنية وخلت من الممارسات الوطنية في إدارة شؤون الدّولة والمواطنين، فما عرفه السّوريون من الوطنية هو شعار تم ربطه حصريا بالنّظام الحاكم الذي لم يتعامل مع السّوريين بوصفهم شعبا ومواطنين أحرارا، إنما كمكوِّنات تعيش انغلاقها وتبني علاقتها على الحذر الذي لا يمكنه أن يبني دولة وطنية بالمعنى الفعلي، كما أدى تغييب الحقوق وانعدام المساواة وعدم الارتباط بعلاقات قانونية وسياسية بالدولة القائمة في وطن إلى مسخ مفهوم الوطن وضرب جذوره وهويته وتحويله لكيان سياسي، كان ثمرة تزاوج بين الجغرافيا التي احتضنت طوائف وجماعات وقوميات، وبين الاستبداد الشمولي الذي أعطاه مواصفاته ومحدودية الانتماء إليه.

أمام تجذر هذه الحالة من انحراف الرّؤية لأهمية الوطن والمواطنة باعتبارها رابطة انتماء اجتماعي وسياسي لوطن، وحضور الكيان متلازماً مع النّظام جعل البحث عن الهوية بحثا شبه مشروع، فمن أسس تكون المجتمعات البحث عن الانتماء وتأكيد حضوره في ضمائر الأفراد اعتمادا على جملة من المعطيات يتشاركون فيها كاللّغة والثّقافة والدّين، وفي الواقع الدّيموغرافي السّوري حيث تتعدد اللغات”الكردية والآشورية والآرامية و..” وتتنوع المكونات فإن تحديد الهويّة انطلاقا من الأصل “الوراثة والسّلالة”سيبرز جملة من الهويّات الثّقافية الضّيقة كالهويّة القوميّة أو الدينيّة أو العرقيّة أو الطائفيّـة، التي لا يمكن حلها أو القفز فوقها، وإذا تم النظر إلى الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، فإنها تؤهل لمستوى آخر من الصّراعات، يتعلق بالهوية الماضوية السّورية “السّومرية الآشورية العمورية الآرامية السريانية” والذي يبرز إشكاليات متعددة بدءا من الاسم الذي يجب أن يكون لهذه الأراضي التي كانت تسمى في نهاية الألف الثالث باللغة السومرية “سوريا” ومعناها بلاد الغرب، وباللغة الأكادية اسمها “عمور” أي بلاد أمور حسب المسمارية الرافدية، إلى إشكالية الثّقافة السّائدة ما قبل الأديان والهُوِيّة الوثنية أو التّوحيديّة ومَضامينها العقائديّة، إلى إشكالية سُوريا مسيحيّة أم إسلاميّة، انتهاء بسوريا عربية أم أن عروبتها وليدة الإسلام فحسب.

جملة الهويات التي أيقظتها الصّراعات تستوجب إعادة تعريف الهويّة الوطنية فالمفهوم التّقليدي للهوية الوطنية وتقليص الوطنية والوطن على حجم النّظام لا يمكن البناء عليهما، كما أنّ مفهوم الدّين والهويّة الإسلامية وتقزيم الوطن ليناسب الخلافة الإسلامية يمنعان تشكيل هويّة لسوريا، أما هويّة الأقليات غير النّاطقة بالعربية فهي تدفع للتخندق على أسس ضيقة ولن تبني وطنا وهويّة جامعة، الهويّة الوطنيّة التي يجب استخلاصها من دروس الماضي والحاضر تعتمد على الشّراكة الإنسانية وترتبط بمفهوم المواطنة والانتماء الحر والمصلحة المشتركة، ولا يمكن اعتبار هذه الهويّة شيئاً ساكناً وثابتاً، إنما يتغير تعريفها بتغير الأجيال، وبتغير نظرتهم لذواتهم وتاريخهم، وبتغير تفاعلاتهم مع الأفكار الوافدة إليهم من تجارب الإنسانية المختلفة.

ما تعيشه سوريا من صراع على الهويّة مواكب للزعزعة الجيوسياسية وما تم إيقاظه من تاريخ، يدفع نحو تشكيل وعي جديد لمسألة التّنوع الثّقافي وكيفية إدارتها ضمن هويّة جامعة عابرة للأطر الأيديولوجية الإسلامية أو العلمانية، هوية حضارية لبناء ديمقراطي حر يحفظ كل الثّقافات والأعراق واللغات.

كاتبة ورسامة سورية

هوازن خداج

:: مقالات أخرى لـ هوازن خداج

هوازن خداج

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر